من سهول بني بلعيد إلى أزقة قسنطينة: لله و الوطن

بقلم عزالدين بوكحيل

   منذ أن سمعت ياسف سعدي يتحدث عن أبناء القصبة (le enfants  de la Casbah) وأنا أطرح على نفسي ما هو محل أبناء منطقتنا من الإعراب في معركة الجزائر الشهيرة ؟ طرحت هذا التساؤل على نفسي لأن هناك ثلاثة مجاهدين يعرفهم العام والخاص في منطقتنا وكانوا ينشطون في « الرودوشارت »، بالإضافة لعدة فدائيين كانوا ينشطون في القصبة وباب الوادي ومنهم من لا زال على قيد الحياة .

  أثرت الموضوع مع سي محمد بورويس، رحمه الله ، وكان أحد هؤلاء،  فوعدني أن يزودني بمعلومات كثيرة وفي كتابة مقال في هذا الشأن. بدأت بتدوين بعض الوقائع وبعض الأسماء الذين التحقوا بالثورة في العاصمة ، لكن القدر كان أسرع منا ، حين خطفه الموت إثر أزمة قلبية ناتجة عن انفعال شديد بعد أن شعر بالإهانة ، في دولة فخامته ، وهو يسمع أحد عساكر أخر زمان يطلب مجيئ الشرطة ويأمر أفرادها بسماعه لمجرد أنه لم يسمح له بتوقيف سيارته بمكان مخصص له في موقف العمارة. ساعود للموضوعين إن شاء الله.

  وليت اهتمامي ، في نفس الموضوع ،  نحو مدينة قسنطينة ، وكنت أكثر حظا هذه المرة، حيث وقررت أن أعود لفتح موضوع أجلته لعديد المرات مع جار لي في حي بلوزداد، الذي التحق بقسنطينة شابا وشارك في بعض العمليات الفدائية هناك دون أن يدري في بداية الأمر، ويتعلق الأمر بأخينا الأكبر سي أحمد متناني الذي لازال ، والحمد لله، على قيد الحياة .

  والحقيقة أنني لاحظت بعد مرور 57 سنة على الاستقلال ، توجد أحداث ، وأشخاص، وجهات لم تنل حقها في التاريخ الرسمي ، أو حتى في اهتمامات من يفترض أن يسهروا على الحفاظ على ذاكرة الأمة لأسباب لا أحد استطاع أن يعرف حقيقتها. ومن أجل ذلك ، وإكراما لذكرى من رحلوا، وتنويها لجهاد من لا يزالون بيننا ، سأحاول تدوين وقائع لم يخصص لها أي حيز في صفحات كتب التاريخ، ولم تكن مادة لوسائل الإعلام الكبرى.

  ينحدر سي أحمد متناني من بني بلعيد ، ومن أسرة مجاهدة منذ ثورة الرحمانيين سنة 1871، وهو من أحفاد الشيخ ابراهيم المتراني صاحب زاوية بلعالم الذي أورث أحفاده مهمة تعليم اللغة العربية والقرآن الكريم لأبناء دواربني بلعيد المتكون من 08 قرى ، فهم حملة لكتاب الله آب عن جد إلى غاية الاستقلال .

   هو صاحب ثقافة واسعة وهو الذي اشتغل طوال حياته في مجال طباعة ونشر وسائل الإعلام كالجرائد والكتب والمجلات والدوريات في. وجد نفسه وسنه لا يتجاوز 18 من العمر في  » معمعة  » الجهاد والفداء ، ولم يكن لا مهيئا ولا طالبا لذلك ، لكنه كان أهلا للثقة وفي مستوى المسؤولية التي أنيطت به. يوجد ما سأرويه في هذه السطور من أحداث في كتاب ألفه هذا الأخير وخصصه لتاريخ الثورة في منطقتنا سماه : من مآثر ثورة التحرير . ولسوء الحظ لا زال الكتاب يبحث عن ناشر منذ سنوات وقدمه لعدة مؤسسات منها وزارتا الثقافة والمجاهدين  ولم يوفق في نشره إلى اليوم  نظرا لقلة حيلته ومعارفه .

  عندما التحق بمدينة قسنطينة ، كان كأترابه يهربون من القرى خوفا من بطش الاستعمار ومن تجنيدهم بالقوة. كان يمتهن بيع القهوة في شوارع قسنطينة وأسواقها ومحلاتها ،  وذات يوم التقى ابن دواره ، أحسن عكريش ، وهو من بني بلعيد ، والذي كان يشتغل نادلا في مطعم الحاج ابن جلول برحبة لجمال . بعد أن سلم عليه سأله إن كان راضيا بالعمل الذي يقوم به، فأجابه سي أحمد أنه كان يشتغل في مقهى بولجديان ، ثم انتقل إلى قهوة صالح بالطابية ، التي يمتلكها سي العربي   » لاصورطي « . كان يتقاضى عند الأول 300 فرنك يوميا ، وعند الثاني يأخذ نصف ثمن ما يبيعه من قهوة أو شاي،  وهو مبلغ زهيد لم يكن يكفي لتغطية مصاريف الأكل و النوم في المراقد والحمامات المنتشرة في المدينة. اقترح عكريش على صاحبنا أن يشتغل معهم في مطعم ، حيث سيتقاضى 1000 فرنك في اليوم ، يضاف إلى ذلك الأكل مجانا.  فرح صاحبنا بالاقتراح ، فطلب منه صديقه أن يرافقه ليجد نفسه أمام صاحب المطعم ، الشيخ الحاج بن جلول رحمه الله. قدم صاحبنا سيرته الذاتية للشيخ شفويا ، حينها ضرب هذا الأخير موعدا للشاب في اليوم الموالي على الساعة الثامنة صباحا ، ولم يكن صاحبنا يدري أن تجنيده جار على قدم وساق وهو لا يعلم عن الأمر شيئا .

  بدأ صاحبنا العمل المتمثل في غسل الأواني (plongeur) وكان يؤديه بكل جد واتفان . لم يكن يعمل لوحده ، بل كان ذلك يتم رفقة شاب وسيم يدعى محمود . مر يوم كامل ولم يبادر أحدهما بالحديث للأخر، وساد الصمت خلال اليوم الأول . ومع بداية العمل في اليوم الموالي شرع محمود بومزو ، وهو إسمه الكامل ، في طرح أسئلة كثيرة على الوافد الجديد الذي كان يشعر بشيء من الحرج أمام البعض منها. بدأ محمود بالتعريف بنفسه ، وكان يحاول جاهدا أن يثبت لصاحبنا انهما من دوار واحد ، لكن ذلك لم يكن ليقنع صاحبنا بسهولة ، وهو الذي لم تتح له فرصة اللقاء به أو التعرف عليه من قبل . استعان محمود بعكريش الذي كان الرابط الذي جعلهما يلتقيان هنا ليشهد أنه بالفعل من بني بلعيد ، لكن ، ولظروف تاريخية انتقل مع عائلته إلى عين عبيد. وما أن ذكر له اسم سيدة تجمعهما بها صلة دم، فهي إبنة خال الأول و زوجة عم الثاني الشهيد صالح بومزو ، حتى فرح الاثنان وأصبحا صديقين ورفيقين في المبدأ والتصور  .

  بعض مضي أسبوعين عن هذه العلاقة الجديدة سأل محمود صديقه ، أين تنام الآن ؟ رد عليه في حمام لمزابي . اقترح عليه ، لماذا لم  تنضم   إلينا هنا في المطعم ، وأنت الذي أصبحت عملا فيه؟ رد عليه صاحبنا بكل حماس: لم لا ؟ إذا لم يكن هناك أي مانع. بعد الانتهاء من غسل الأواني وتنظيف المطعم، أغلقت الأبواب، و صعد مع محمود إلى الطابق  العلوي حيث توجد أفرشة بالية معدة للنوم ، وكم كانت كبيرة دهشة الوافد الجديد وهو يرى رفيقيه وهما يشرعان في تنظيف مسدساتهما. طلب منه أن يكتم الأمر لأنه أصبح من اللحظة جزءا من التنظيم .

  والحقيقة أن صاحبنا لم يدخل التنظيم منذ يوم أو منذ أسبوع ، بل قبل ذلك بكثير وهو لا يعلم بالأمر شيئا. فالمحيط الذي كان يتنقل بداخله كان عبارة عن تنظيم محكم وفعال للغاية . فالعربي  » لاصورطي  » القهواجي، إبن قرية بني فرقان ،  الذي اشتغل عنده سي أحمد بعد مغادرته لمنصبه في مقهى أبن عمه بولجديان  » مكناني  » كان مفتشا لدى السلطة الفرنسية  بالزي المدني ، لكنه ، وهذا أهم ، كان يشتغل لصالح الثورة أيضا. كما أن مسعود بوجريو، وهو منسقا لجماعة زيغود يوسف في قسنطينة سابقا ، كان طباخا غير بعيد منهما في مطعم وكان يحضر له القهوة إلى مكان عمله دون أن يدري من هو؟ وما علاقته بالثورة ؟ كما كان يتردد دوما على مقهى بشارع   » سيريني  »  وهي لصاحبها زاطوط وسي رابح ولم يعرف إنها ملتقى للمجاهدين والفدائيين وصاحبنا في غفلة عن ذلك . أما العربي القهواجي هذا فكان قد استعلم عن الشاب و عن عائلته ولكنه لم يخبره بالأمر . سأله في يوم من الأيام إن كان يعرف باسطة زيدان، ولما رد بالإيجاب سلمه صفيحة زيت ورسالة ، واستخرج له تصاريح المرور وأوصله إلى غاية الحافلة التي تقله إلى القبائل الحضرة ، بعد الوصول  سلم الشاب الأمانة لبسطة زيدان البطل الشهيد بدمنة بني بلعيد ، وأعاد له هذا الأخير الصفيحة فارغة كما سلمت له. لم يطرح على نفسه أي سؤال واكتفى بحفظ وتسليم الأمانة للمرسل وللمرسل إليه ، ولم يعرف ما كان بداخل  » بدون الزيت  » هذا  إلا عند عودته إلى قسنطينة وتسليمه لسي العربي، فإذا به توجد بداخله أشرطة الصور التي أخرجها من داخل الإناء. توجه مباشرة وهو برفقته إلى محل التصوير بشارع السباط بالرصيف. قدم الشريط للمصور وألح عليه استخراج الصور قبل 24 ساعة وحذره من إفشاء السر. وبعد يوم الغد أعاد الكرة من جديد وبلغ الصور لصاحبها زيدان باسطا رحمه الله ، ثم ملأ  » البدون » بالزيت هذه المرة  وعاد به إلى قسنطينة . 

  أما محمود زميل صاحبنا في غسل الأواني فهو الشهيد بومزو الذي يحمل السوق المركزي للخضر والفواكه اسمه اليوم . كانت أولى العمليات التي شارك فيها مع هذا الفدائي هي تصفية عميل يدعى بوعرورة ، حيث طلب من صاحبنا أن يتنقل إلى جامع لخضر ويراقب هذا العميل الذي كان يبع الحلويات في مفترق طرق ، حي الجزارين ، فانتقل إلى عين المكان وظل يراقب العميل إلى أن حضر محمود و أشار عليه صاحبنا، فتقدم منه الفدائي وأسكن عدة رصاصات في رأس العميل  وغادرا المكان. وضع الفدائي مسدسه فوق منضدة في محل للقماش، لكن صاحب المحل أسرع ليخبر الشرطة. حضرت الشرطة لكنها لم تجد للمسدس أي اثر ، فبدأ التاجر يحلف بأغلظ الأيمان أنه تركه هنا وهو يشير إلى لفائف القماش الموضوعة على الطاولة، لكن محمود كان أذكى منه عندما خطف المسدس لما تفطن للخديعة وسلمه لجزار وضعه بدوره وسط  » الزلاليف »، وكللت العملية بنجاح .

  مر يومان عن اكتشاف سي أحمد أن زميليه في العمل فدائيان عندما طلب منه محمود الذهاب إلى عند الطيب الخباز في شارع سيريني  من أجل القيام بمهمة هناك. طلب من صاحبنا أن ينقل سلة من الخبز و تسليمها لقيطوني صاحب مقهى أو للشريف بن ميمون ، في حي سميحة حاليا . لم يكن المسكين يدري سبب ثقل السلة مع أنها كانت محملة بالخبز. لم يخبره أحد بالسر حتى لا يرتبك عند مروره بالحواجز العسكرية المقامة في مختلف أنحاء المدينة، وكيف له ألا يرتبك وتتغير تقاسيم وجهه ، ولا تتشابك رجلاه لو كان يدري أن الخبز الذي كان يحمله فوق أكتافه كان محشوا بالمسدسات و بالرصاص من مختلف العيارات؟؟؟  ما ألطف قدر الله .

  بعد هذا تم تحويله إلى الجهة الشرقية ، أمام المستشفى، إلى حي  الفوبور على وجه التحديد ليقوم بنفس المهمة لدى عبد المجيد صاحب إحدى البقالات، وكلف بمهام أخرى مثل تتبع حركة العملاء ، ثم المشاركة الفعلية في العمليات كمنسق لها عن قرب .

  مرت حوالي ستة شهور عن اشتراكه عن دراية وطواعية هذه المرة  في العمليات الفدائية بقسنطينة التي كانت مقسمة آنذاك إلى عدة مناطق كان يجهلها ، وهي عبارة عن شبكة عنكبوتية ، أو غصن الزيتون متشعبا ، من الصعب معرفة أعضاء الشبكة ، اللهم إلا اسم  » عمار الطويل  » الذي عرفه بعد الاستقلال في وادي الحد بصدفة غريبة ، حيث كان يبيع الدلاع وينادي « هاياو دلاع بني بلعيد’ فتقدم منه صاحبنا لتكون مناسبة سعيدة استعاد فيها الرجلان ذكريات الثورة في قسنطينة.

  وفي ذات صباح طلب منه أن يذهب لملاقاة العربي القهواجي أو أخيه مصطفى في قهوة صالح بالطابية ، حيث طلب من الشاب أن يضرب بيده على  » الكونتوار »عند دخوله المقهى وهي إشارة العمل ، و ستسلم له صينية ، عند التعرف عليه ، بها كؤوس وإبريقين واحد للقهوة والآخر للشاي . تم ذلك ، وطلب من الشاب أخذ مكان له أمام المدخل الأعلى لسوق الخضر والفواكه المجاور لبلدية قسنطينة حاليا. وجه الأمر للشاب ليتوجه إلى هناك حيث ستقدم له تعليمات في عين المكان. لم يمر وقت طويل على وصوله إلى المكان المحدد حتى حضر صديقه محمود وخاطبه قائلا : عند دخول  » شريوف الخائن » للتسوق أشرعلي بوصوله ومكان تواجده عن بعد . للتذكير أن شريوف هذا كان عميلا سفاحا يخشاه الناس لقساوته وكان يطلق النار على أي إنسان لا يروق له أو يأمر باعتقاله وتعذيبه وقتله ببرودة دم . ولشدة حذره كان سلاحه لا يفارقه ، وكان يرتدي دائما صدرية مضادة للرصاص. بعد حوالي نصف ساعة ظهرت سيارة شريوف 403 السوداء. نزل منها ودخل إلى السوق، و توجه نحو أحد الجزارين الذي اعتاد أن يقتني حاجته من اللحم عنده. طلب من هذا الجزار بدوره أن يتثاقل في قص اللحم حتى يسهل عمل الفدائيين. اتجه محمود نحول العميل و تحدث معه بكلمات لم يستطع الشاب معرفة فحواها ، وأطلق ثلاث رصاصات على رأس الخائن أردته قتيلا . أغلقت الأبواب الثلاثة للسوق بعد سماع طلقات الرصاص. وتحضيرا لهذه العملية تم تشحيم الباب العلوي كي يسهل غلقه أما البابين السفليين فقد وضع في سكتهما شيئا من الحصى حتى لا يتم غلقهما بسرعة ، ليتمكن محمود من الخروج بعد العملية متوجها جريا نحو عوينة الفول . لسوء حظه راه شرطيان عربيان كانا يحرسان السوق هما  » حاما  » و » علي  » وأطلق الشرطي حاما رصاصات نحو الفدائي أصابته في رجله لكنه واصل رغم ذلك الجري والتجأ لأحدى المخازن بعوينت الفول . كانت إحدى النساء اليهوديات ترشد الشرطة و الجنود من شرفة مسكنها الواقع بمحاذاة بلدية قسنطينة  » لابريش  » لتتبع محمود الذي تم القبض عليه ونقله إلى جهة مجهولة حيث توفي بعد ذلك .

  أما صاحبنا القهواجي المسكين فقد إختبأ في المحكمة المجاورة للسوق، لكن الجنود لحقوا به وأعادوه إلى الساحة المجاورة حيث يوجد الكثير من المقبوض عليهم ، ليتم نقلهم إلى مركز  » لاصاص » برحبة لجمال التعيسة  . بعد وقت قليل وصل العربي القهواجي « لاصورطي » و طلب أن يطلق سراح نادله. ولما لم يكن يتذكر اسمه طلب من العربي الدخول والبحث بنفسه ، فدخل وتعرف على الشاب الذي تم اطلاق سراحه على الفور. أمر العربي الشاب أن يصعد معه في السيارة حيث أخبره أن محمود قد تم القبض عليه ، وأنه يتوجب عليه مغادرة المطعم الذي يشتغل فيه ومغادرة المدينة أيضا خوفا من أن يبوح محمود باسمه تحت التعذيب. للتذكير سمي هذا السوق باسمه بعد الإستقلال ونزعت اللوحة التذكارية في زمن الفيس لكن أعيدت بعد سنوات و الحمد لله حتى لا يضيع جهاد الجزائريين البررة . رحم الله البطل محمود ورحم الله أيضا أعمامه صالح الشهيد ، وزيدان المجاهد الذي توفي في السنوات الأخيرة ، وحياة سعيدة وطول العمر للشاب الذي رفض شهادة الاعتراف بمحض إرادته ، سنة 1965 .

غادر الشاب المدينة في اليوم الموالي باتجاه مسقط رأسه وهو ما سنتناوله في الحلقة القادمة ، ونتناول لقاءه بالرئيس الراحل الشاذلي بن جديد عندما تم اعتقاله في الميلية ونقل ألى جبل مشاط إن شاء الله سنة 1962.       

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s