حكايات عن الثورة في جبال جيجل من أحد المشاركين فيها

بقلم عزالدين بوكحيل

رب صدفة خير من ألف ميعاد. لقد تأكدت بنفسي من صدق هذه المقولة و الأقدار تسوقني للقاء عمي مختار ، مجاهد من كب ابلاد، يوم 20 أوت الماضي لدى مرافقتي لإحدى قريباتي إلى عيادة طبيب مختص بحي لاسويس، بباب السور بجيجل.

يالها من صدفة، وأنا ألتقي بمجاهد في ذكرى تنظيم هجومات الشمال القسنطيني كما يدونه التاريخ الرسمي من قبل زيغود يوسف، وكم أمقت هذه التسمية لأنني أعتبرها بيعا بالجملة لجهاد وكفاح جبال ومداشر تمتد على مئات الكيلومترات، تملأ أسماء شهداء الواحد منها صفحات، ومع ذلك لا تذكر فرادى بل تجمع تحت مسمى الشمال القسنطيني ،وهو ما يعكسه شح ما كتب حول الثورة في جبال جيجل مقارنة ببقية جهات الوطن، بالرغم من مرور كافة قادة الثورة بتلك الجبال، على عكس الكولون و الجنود الفرنسيين الذين تركوا أدبيات كثيرة من شهادات و انطباعات و ومدونات.

ركنت السيارة في الشارع ورجعت ابحث عن العيادة التي قصدتها هذه القريبة، و إذا برجل ، متقدم في السن ، نشيط و أنيق يسألني عما أبحث عنه ، فأخبرته بأنني أبحث عن الطبيب …و قبل أن أكمل أشار إلى باب العيادة، وأردف أنه قام بالواجب و أحضر كرسيا للمريضة،  وسألني بدون تكلف وبدون اهتمام كبير، يذكرني بموقف « سكان كب ابلاد«  اتجاه الغرباء عن المدينة، من أين قدمت؟  أجبت على نفس المنوال وبصوت خافت تقريبا  » من بني حبيبي » . تغيرت تقاسيم وجهه عندما سمع الإجابة، واستوى في مقعده وهو يقول  » بلاد الجهاد، بلاد الثورة، كاساو بزاف » . ودعاني لأحضر سيارتي إلى مكان كان يحجزه أمام العيادة.

أخبرني عمي مختار أنه والد الطبيب، وبدأ يروي على مسامعي حكايات عن الثورة التي ابتدأها من ميلاد الطبيب ستة أشهر قبل عيد الاستقلال بغابات سلمى بولاية جيجل والتي سأعود له في نهاية هذه الورقة، وكنت استمع إليه باهتمام كبير و أملي ألا ينتهي منها.

روى لي عمي مختار بلال أنه من مواليد حي « الفوبور » بمدينة جيجل، وأنه  من جيران زوجة الراحل علي كافي. درس إلى غاية السادسة ابتدائي مثلما كان مسموحا به لأبناء الأهالي. تحصل على الشهادة الأبتدائية . التحق سنة 1956 بالجيش الفرنسي في إطار الخدمة العسكرية في فرقة المظليين بجنوب فرنسا و تخصص في سلاح الرشاش (FM) . بعد إكمال الفترة التدريبة نقل جوا إلى تونس و أنزل مع كتيبته بين الحدود التونسية وسوق اهراس. استغل هذه الفرصة السانحة ليفر رفقة 6 من رفاقه بسلاحهم ويلتحقون بصفوف الثورة.

التحق بالولاية التاريخية الثانية، حيث شارك في عدة عمليات بجبال سدات و بني حبيبي، والتي كما قال لي أنه يعرفها، رقعة رقعة، ويعرف شعابها ووديانها ، كما يعرف مجاهديها وخاصة عمي السارجان الطاهر الذي ظل على اتصال به، وكان أخر لقاء جمع بينهما في سوق الطاهير سنة 1994 .

روى لي أيضا عمي مختار كيف تم اختياره بداية سنة 1959 لتأمين تنقل العقيد علي كافي إلى غاية غارديماو، على الحدود التونسية. وعلى ذكر علي كافي ، روى لي عمي مختار حكايات طريفة للقاءاته به حتى بعد أن ترأس المجلس الأعلى للدولة بالمورادية. كما قص لي كيف شاءت الأقدار أن يلتقي بالراحل هواري بومدين سنة 1964 ، حينما ثارت الولاية الثانية ضد بن بلة. جاء هذا الأخير إلى جبال جيجل بصفته وزيرا للدفاع من أجل جبر الخواطر. نزل بومدين من مروحية وكان عمي مختار من بين الذين تم اختيارهم لتقديم السلاح لهواري بومدين. توقف عنده لما لاحظ أنه يضع فوق رأسه قبعة أدغال شبيهة بقبعات المظليين الفرنسيين. سأله إن كان تدرب مع الفرنسيين فأجابه بنعم. بعد نهاية الزيارة أمر هواري بومدين أن يتم اختيار بعض الجنود ليلتحقوا به في العاصمة، وهو ما تم وانتقل إلى الجزائر ثم إلى  البليدة ليتولى مهمة التدريب على السلاح.  

عمل عمي مختار في جميع مناطق جيجل وجبالها مثل تاكسنة، جبل بوحنش،  سلمى و غيرها . لا يكف عمي مختار عن ذكر قادته بكل احترام و إكبار و خاصة  القائد الفذ أحمد بلعبني، الذي كان يرافقه حيثما تحرك، ويحكي كيف تعرض لعقوبة بعد أن خالف أوامره في إحدى العمليات التي استهدفت قافلة عسكرية في ناحية الزيامة على الطريق الرابط بين جيجل وبجاية ، حيث اختار له مكانا للتموقع  و أمره أن يطلق النار من رشاشه على السائق بمجرد ظهور الشاحنة في المنعرج. نفذ الأمر بكل عناية وتمكنت مجموعته من قتل حوالي 12 عسكريا . تكفل رفاقه بجمع اسلحتهم، لكنه غادر مكانه ليأخذ السجائر التي كانت بحوزتهم، وهو ما أغضب القائد بعض الشيئ، فعاقبه لكن سرعان ما عفا عنه بعد لقنه درسا لن ينساه.

من بين العمليات التي يروي أحداثها عمي مختار بشيئ من الحزن و الحسرة، معركة دارت في إحدى وديان تاكسنة في فصل الشتاء من سنة 1958 . استمرت المعركة يومين. استعمل العدو كل الوسائل من رجال و طائرات و مروحيات، حيث قام بمحاصرة المجاهدين الذين كان عددهم حوالي  71 جنديا. لم يبق أمام المجموعة  سوى الإنسحاب للحفاظ على الأرواح حين سأل القائد عمن يحسن السباحة  من بين الجنود ، فرد عمي مختار على التو بالإيجاب، بحكم نشأته بجانب البحر. سلم القائد حبلا للمتطوع و أمره بالغطس و قطع النهر و تثبيت الحبل في الضفة الأخرى، فكان له ما أراد، وبدأ الجنود بقطع النهر، تم طلب القائد من يريد البقاء لحماية ظهر إخوانه، فتطوع حوالي 13 منهم وظلوا يطلقون النار . هنا يأخذ عمي مختار بعض الأنفاس بصعوبة ليقول رهمهم الله، لم ينج أحد من الذين تطوعوا لتأمين انسحاب إخوانهم. وبنفس الحزن و الحسرة يتحدث عن أحد قادته، الذي كان يصفه بكونه طويل القامة، وسيم الوجه ، كان يحمل دائما مصحفا صغيرا في جيبه. جمعهم في يوم من الأيام ليطلب العفو من أي أحد يكون قد لحقه منه أذى . لم يمر سوى شهران على هذه الواقعة ويكتب الله الشهادة في إحدى المعارك. يجتمع المجاهدون ممن عرفوه كل سنة ويترحمون على روحه الطاهرة وهم يبكونه لحد اليوم.

لا يتوقف عمي مختار عن ترديد عبارة الحمد لله على توفيقه لأداء واجبه نحو البلد دون أن تغريه نفسه بأخذ منفعة، فهو لم يطلب ، ولم يأخذ أي شيئ مقابل جهاده بالرغم من توفر الإمكانية لأخذ ما يشاء من عقارات و أملاك . كيف لا و قائده بلعبني  يقول له أطلب ما شئت، لكنه رفض وفضل العودة لمنزل العائلة بعد الإستقلال والشروع لاحقا في بناء منزله الحالي بقرض من صندوق التوفير. وفي فترة وقف إطلاق النار قبل، إعلان الاستقلال كان عمي مختار بصدد مغادرة المركز العسكري المتواجد فيه حاملا إبنه الرضيع(الطبيب) بين يديه وبرفقته زوجته (المجاهدة)، حينما صادف في طريقه قائده بلعبني الذي أشفق لحاله، فناداه وسلمه مفاتيح سيارة جديدة لم يمر على تسليمها للقائد غير بضعة أيام، قائلا له تفضل أنقل عائلتك وعد إلينا سريعا، وهو ماتم .

حكايات عمي مختار عن الثورة لا تنتهي ، ولم تتوقف إلا بنهاية زيارة الطبيب، وكان آخرها ، وطلب من القيادة، قيامه بتصفية أحد العملاء قرب السوق الحالي للخضر و الأستيلاء على مسدسه والحفاض عليه كإحدى أجمل الذكريات للثورة. سألته إن كان على استعداد لاستقبال صحفي للحديث معه، فرفض بكل أدب وهو يقول ، لقد حكيت كل شيئ لأبني ،لكنني أدعو أصدقائي من الصحفيين المهتمين بتاريخ الثورة أن يتقربوا منه و »يحشموه  » لأنني أجزم أنهم سيؤدون خدمة جليلة للمنطقة بكاملها.

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s