مقتطفات

هذه مقتطفات من كتاب « القبائل الحضرة عبر التاريخ » ، الذي ألفه صديقي و أخي حسني قيطوني ، والدي تشرفت بترجمته . الهدف من هذه المقتطفات هي إعطاء فكرة عن هذا البحث القيم الذي خصص لمنطقة لم تنل نصيبها من الدراسة و من اهتمام المؤرخين.

قراءة شيقة ومفيد لمن لم يطلع على الكتاب

عزالدين بوكحيل

  

عندما تؤسس الأساطير للأصول

تمنح الروايات الشفوية أصولا لقبائل بلاد القبائل الحضرة، تنسبها لأناس قادمين من أماكن بعيدة كالمغرب الأقصى، ومن مناطق متفرقة من بلدان المغرب الكبير، لكن هذه الروايات ناذرا ما تنسب هؤلاء الناس إلى البربر. أما أن تنسبهم لكتامة، فذلك الذي لم يحدث ابدا. و الغريب أن كلمة كتامة لم يعد لها وجود في لغة الأهالي. إنه المصير المذهل لنسب تاريخي تم محوه تماما من الذاكرة الجماعية.  و الأغرب من ذلك، هو الغياب  » الذي يشبه حالة الهوس  » من أي إشارة للأصول البربرية ».

و كما نعلم فان كتامة و جيرانهم الزواوة، لا تجمعهم علاقات جيرة فقط، إنما علاقة نسب و علاقة تقارب لغوي و ثقافي أيضا. و بالرغم من هذا و ذاك، لم تشر أية رواية شفوية، ولو ضمنا، لهذه الروابط. وكأن لا هذه المنطقة، ولا تلك، انتمتا يوما إلى نفس المجال التاريخي. لكن ينبغي الاعتراف أن سكان بلاد القبائل الحضرة يعتبرون انفسهم غرباء تماما عن المجال البربري و لا تجمعهم بالزواوة سوى رابطة الدين.

ونجد عنصرا يتكرر دائما في الروايات التي سردناها، و يبرز بالمناسبة الأصول المهاجرة للسكان. و عن الهجرات ينبغي أن نذكر صنفين على الأقل.  فأما الهجرة الأولى فهي داخلية، و تخص القبائل القديمة و الأكثر عددا، باتجاه مجالات جديدة غير مأهولة أو قليلة السكان. و أما الهجرة الثانية، فهي القادمة من الخارج، و التي شهدت قدوم سكان جدد للاستقرار في بلاد القبائل الحضرة.

فالمثال الحي لقبائل تشتت وشغلت مناطق مختلفة، هو مثال أولاد عطية، و بني قايد، و السواحلية و بني إسحاق، و بني صالح.  فهذه الهجرات الداخلية الناتجة عن نقص الموارد، و نذره الأراضي الصالحة للزراعة، أو بسب صراعات بين الفصائل المتنازعة، بهدف الهيمنة على البقية، ترتب عنها شغل التراب وفق قاعدة الأقرب فالأقرب. كما أن هذه الهجرات تقسم القبيلة إلى فروع، و تكرر اسمها عن طريق إنشاء تجمعات جديدة. وهذه ظاهرة متكررة تعبر كامل تاريخ بلاد القبائل الحضرة، وتؤثر هذه التحركات على التوازن الداخلي للقبائل دون تغيير وحدتها العرقية.

و نتجت المرحلة الثانية، لأعاده التشكيل الديمغرافي لبلاد القبائل الحضرة، عن الاضطرابات المتكررة عقب سقوط الحكم الفاطمي.  و هروبا من بطش صنهاجة وبطش الهلالين، هرب سكان مد ن القيروان، و قسنطينة، و ميلة، و سكان السهول، و احتموا بجبال الشمال التي يستحيل دخولها. وهذه الحركة، التي كانت أحيانا كثيفة، لكنها في أغلب الأحيان متقطعة، قد طعمت الأصل البربري بإضافات بشرية وثقافية متنوعة.  وذكر الإدريسي، في القرن الثاني عشر، شهرة كتامة بالكرم وبالاستقبال الذي يخصصونه للأجانب « انهم ربما اكثر أناس العالم حرصا على الضيافة ». وهذا التفتح على الخارج لا يمكن أن نفسره إلا بمقارنته بطبيعة السكان المتنوعة التركيبة.

يبدأ الوافدون الجدد عادة بالاستقرار عند قبيلة تستقبلهم، ثم ينتشرون بعد ذلك و يكونون حيزا جغرافيا خاصا بهم، إما عن طريق استصلاح الأرض، أو عن طريق النهب، أو عن طريق عقود الامتياز.

و أثناء فترة التكون، يظل « الجذر « ، متفتحا أمام العناصر الخارجية المضافة و متقبلا لها شريطة ألا تمس هاته العناصر بسلامته، أو تنافسه على الأراضي التي اكتسبها. و هذه العناصر الخارجية التي تأتي لتضاف للقديمة، ينتظر قدومها، بل يحبذ أحيانا، كونها تزيد من تعداد القبيلة وتضاعف من قوتها. زد على ذلك، أنها تخلق ظروف القوة و الدوام بالنسبة للقبيلة. وهذه الظاهرة ليست حكرا على بلاد القبائل الحضرة، وإنما نجدها معممة على مجموع بلدان المغرب، عاكسة بشكل جدري توزع السكان و انتشارهم. » و نتج عن ذلك تغيير جوهري لمركز الجاذبية الخاص بالسكان البربر، وهكذا لم تلبث كل من مناطق الريف الشرقي، وجبال زرهون، وبني سناسن، والترا راس، وبلا د القبائل الحضرة، التي كانت شبه خالية، أن تحملت كثافة عالية من السكان [1]« 

 يبدو أن عملية إعادة التعمير هاته، مثلما أبرزته الروايات، قد مرت بمرحلتين : المرحة الأولى ما بعد المرحلة الهلالية (القرن التاسع إلى الرابع عشر)، و شهدت تشكل أساس العرق البربري الكتامي حول جيجل و القل في الشمال. و حلت المرحلة الثانية بعد إنشاء الخلافة العثمانية (القرن السادس عشر)، مع قدوم الدعاة الأوائل و الأندلسيين الذين تم طردهم من إسبانيا مع مجيئ القراصنة الأتراك. وقد انصهر هؤلاء الوافدون الجدد داخل الأهالي، حاملين معهم ثلاث مقومات أساسية : « القانون، والفقه و النسب الشريف « ، و غالبا ما تتوفر هذه العناصر في شخص واحد وهو المرابط.

Une réflexion au sujet de « مقتطفات »

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s