على هامش ذكرى يوم المجاهد

على هامش ذكرى يوم المجاهد 

 ( من يكتب تاريخ ثورة نوفمير54 ؟)

مما لا شك فيه أن التاريخ بجميع مجالاته ما هو إلا انعكاس للظروف والأحداث والمشاكل التي واجهتها المجتمعات في مسار تطورها، حيث يتخذ البطل حسب جهده واجتهاده مواقف ويضع حلولا واحكاما لتلك المستجدات. والتاريخ بهذا المعنى يصنعه الأبطال، وللبطولة في الجزائر عنوان؛ التحدي الذي هزم فرنسا وحلفاءها في ثورة القرن العشرين، ثورة نوفمبر 1954م المجيدة.

فمن يكتب تاريخ هذه الثورة؟

هذا السؤال يسبقه سؤال عام هو؛ من يكتب التاريخ؟ وهو سؤال يفتح المجالً واسعا لأشكال عدة من الإجابة والنقاش، بالنظر إلى أهمية كتابة التاريخ، وطبيعتها وتأثيراتها في تشكيل الهوية، وحفظ كيان المجتمع، وتوثيق أحداثه. ولا شك أن الجواب عن هذا السؤال سترافقه ردود أفعال نمطية تفرزها مجموعة من المواقف المتعارضة، فواقع الحال يشهد ان التشدق (بذكر الأسباب التي جعلت كتابة تاريخ 0الثورة التحريرية تتأخر) وفي ظل تضارب الروايات عن البطولات والمواقف والتصورات، وغياب الوثائق والشهادات، كلها أمور تدل على سطحية فهم البعض لمصلحة الأمة في قضية التاريخ، وقصر نظرتهم المستقبلية، وهذا ما يميز الواقع في أيامنا هذه، ولهذه الأسباب لا أحد يريد الجواب الحيادي الدقيق عن السؤال المطروح علينا جميعا؛ من يكتب تاريخ هذه الثورة؟

ورغم أني مقتنع أن لا مخلوق يوصف بالكمال فانا لا انتقص من فكر غيري إذا قلت إن القول: « الرابح، والناجح أو المبدع أو العالم..  » هو الذي يكتب التاريخ بل بالعكس أنا أعتبر نفسي أكثر الناس دفاعا عن تقدير رأي الآخر.. وأعلم إن العبارة؛ « المنتصر هو من يكتب التاريخ، » تبدو للوهلة الأولى صحيحة، وربما أنها كانت ذات زمان تعتبر صحيحة وصادقة، لكنني أحاول إثبات أن هذا القول لا يمكن أن يعبر عن الحقيقة أو يفي ببيان الغرض. من طرح السؤال أعلاه.

ولا شك أن قولي هذا قد يعتبره البعض ساذجاً يدعو للضحك، وفي أحسن أحواله سيعتبره مثالياً طوباوياً، لكنني أرى واقعنا التاريخي يعاني من نزف خطير ناجم عن تضخيم جوانب تاريخية على حساب جوانب أخرى، ما جعله مجالا للتندر والسخرية على من يتأمل بأذن واعية ويرى بعين بصيرة، وذلك وجه قبيح من أوجه الصراع الإنساني الخفي، ولما يمزق ستاره حراك المصالح يصبح صراعاً حتميا لا مفاز فيه الا التأخر والموت والدمار، صراعا عنيفا يصمم طرفان على خوضه، ويتوقف الصراع السلبي وينتهي لما يتخلى أحد الطرفين عن مواصلة الصراع؛ ولا صراع بطرف واحد طبعا، ويدرج ذلك في صفحات التاريخ.

إذن، التاريخ لا يصنع نفسه، بل تصنعه مواقف البشر، وانفعالات أثرت فيهم، فاستغلوا ذلك التفاعل بإيجابية من أجل التغيير باتجاه ما. وحسب قناعتهم بقدرتهم على تحمل نتائج قرار التغيير تأتي التضحيات في سبيل الوصول إلى الغاية المنشودة من التغيير، ويقدمون وهم يرون أن هدفهم نبيلا يستحق كل التضحيات في سبيل تحقيقه، وعند ذلك الحد يخطون الخطوات الصحيحة أو الخاطئة لكي يسطّرهم التاريخ كصنّاع له.

المهم أن هناك أشخاص طبيعيون ومعنويون يصنعون التاريخ بخدماتهم، أو إنجازاتهم أو أفكارهم أو أقوالهم أو بتأثيرهم على الأجيال من دون أن يهتموا بمن يرسم على الورق جملا وهولا يقدر على أن يُغيّر شيئًا من واقع التاريخ. وإذ يصدمنا أن نعلم أن ذاكرة الناس ظلت عاجزة عن استذكار الكثير من الوقائع المشرقة في تاريخنا، وهذا ما يصدمنا اليوم عند تناول موضوع التاريخ. هذه حقيقة لا يستطيع المنطق أن ينكرها. ومن هذا المنظور يمكن طرح سؤال جانبي؛ كيف يمكن للرابح أن يكتب التاريخ؟ وهو سؤال. تتطلب الإجابة عنه تحليل سلوك ومنحنيات النوايا وابعاد الرؤى. وطبيعة الحرب، وقدرات المعركة. ومن المؤكد أن المنتصر مهما كانت حالته سيسارع إلى تخليد إنجازه من خلال ابلسة عدوّه وتبرير عدوانه ونشر الفخر الفاضح ببطولاته، فيدفَن بذلك الكثير من الأسرار مع الذين يموتون بالحرب أو السم أو تحت وطأة التعذيب والظلم، او القنوط من انفراج ازمة، فاهتمام الوصوليّ بكتابة التاريخ فلهدف غير مُعلَن ينكَشف بعد حين كأن ينال جاهًا أو مركزًا أو مالاً أو أن يبنيَ إرثًا يرتكز إليه ليُعظّم نفسه بمجد الآخرين. ويدوّن التاريخ أيضًا لصوص من منتحلي الشخصية وسارقي البطولات، وقراصنة صادروا ممتلكات غيرهم وانجازاتهم.، ومجهودات العاملين، فيتطلّع هؤلاء بذلك إلى الحصول على براءة ذمّة أخلاقيّة، أو إخفاء عيب فيُكلّفون كتابا مأجورين بتجميل صورتهم استباقًا لتسرب أية فضيحة، وتراهم يسرقون الحقيقة، والمال، ويخدعون قلوب البسطاء. هكذا تغيب المبادئ والقيم تحت تأثير نشوة الانتصار، وتهيمن المصلحة الخاصة على النفوس وتسيطر على عقول بعض عناصر المنتصر فتتدخل، أفكار يصبها المتميزون منهم على صفحات مذكراتهم وشهاداتهم، وأقل ما تتحرك به نفوس البعض منهم هو التحفز للنقد ومناقشة سفاسف الأمور، وإحصاء أخطاء زملائهم في الكفاح إلى حد الازدراء، والاحتقار. هو تقبيح لم يسلم منه أحد حتى اخيار عناصر المنتصر- ابطال، وعلماء، ومفكرون وساسة، ليس لشيء إلا لتلميع صورتهم وتغطية عجزهم، وتبرئة أفعالهم، من خلال ابعاد الآخر أو الغائه وهم يعلمون أن الغاء الآخر هو الغاء للذات والصواب هو أن ما نحتاجه في هذا المجال وغيره ليس الغاء الآخر من بيننا بل إيجاده كدعم لنا. هكا يسبح الموبوؤون من أفراد المنتصر في البلاسما التاريخية.

 لكن هناك أيضا من يكتب التاريخ شغفًا بالحقّ والحقيقة، والتاريخ بخسٌ من دونهما، وعلى من يدوّن التاريخ الصادق أن يمتلك لغة الصدق وذهناً مُدرَّباً على تبيان الحقّ وعينين تريان بصفاء كعيني نَسرٍ يرقب البسيطة من علا. وهناك مؤرخون كبار سطّروا وثائقَ حَفِظت للناس أتعابهم وللحضارة تراثها وعلّموا الأجيال دروس أجيال. « كتب هؤلاء المؤرخون بذاكرة أمينة حفظت أتعاب الافراد والجماعات وبطولاتهم وتضحياتهم وآلامهم لتبقى ذكراها حيّة تعبق كبخور الهياكل، واحترفوا لتسجيل وإبراز الحقّ والخير والعِبَر حفظًا لإرث يورثونه كالذهب لمن يحفظه ويغنى به ». هذه صورة تستدعي صورا عديدة في مقدمتها السؤال:

 لماذا يقوم البعض برسم هذه المخربشات « المذكرات « بخلفيات مبهمة؟

من الواضح أن ليس الذين يقيمون الحروب، أو ينجزون بحوثا أو يسهرون على ابداع هم الأشقياء دائما، بل إن الأشقى هم أولئك الذين تمسهم تلك الحروب أو يعنيهم ذلك الإنتاج أو الإنجاز وغالبا ما يتأثر المحارب أو المبدع أو.. بشقائهم، وقد يعاني من التوتر والإحباط ويحتاج للتعبير عن اهتمامه وحينها تعبث المشاعر برأيه، ولو عرضنا البعض من هذه المخربشات على العامة لما حظيت بأكثر من مشاعر الصدمة والسخرية، ذلك كونها مخالفة للحقيقة متعارضة مع رؤية عامة الناس وخاصتهم، مجحفة في حق الأبطال الحقيقيين.

لقد جئت بهذه المقدمة المسهبة كصورة نمطية عن المناقشات والمراجعات التي كانت قد دارت وماتزال جارية بشأن تاريخنا الجزائري الذي انقضى تحت وطأة أطماع الدول الاستعمارية الغربية وواقع المقاومة الوطنية منذ انتقال المعرفة الى اروبا خلال العصر البرونزي إلى عصرنا الراهن مرورا بالعصور الوسطى، حيث شهد النصف الشرقي من العالم هيمنة القوى الاستعمارية وكانت الجزائر في كل فترة مركز مرمى تلك الأطماع، هذا بصفة عامة، ووقائع ثورة نوفمبر 1954م المظفرة على وجه الخصوص. فمنذ انعقاد مؤتمر باندونغ 18/04/1955م في إندونيسيا بمشاركة 29 دولة أفريقية وآسيوية، وواجهت الديبلوماسية الجزائرية المناورة الاستعمارية التي كانت تسعى للفصل بين الشمال و الجنوب، والعرب والبربر، وتحقيق ما سمي بخارطة الصحراء سنة 1956م  أو ما سمي بمشروع أوساريس، الى اتفاقيات افيان. ظل المشروع التاريخي المتميز للثورة مستندا إلى قوة الجبهة الداخلية واللحمة التي كانت موجودة بين الجيش الوطني وجبهة التحرير الوطني من جهة، وبين الجماهير الواسعة المتمسكة بوحدة الدين والوطن من جهة أخرى  لكن مع استمرار تنامي الجوانب المظلمة في تاريخنا برز نوع من حرب الذاكرة لأسباب إيديولوجية تارة وجهوية وانانية تارة أخرى، فكثر من امتهنوا تزوير التاريخ وتزييفه طمعاً في منصب أو مكسب مادي.. بعقول مستهترة لا تعبأ بشيء غير ما يملأ البطون، واقلام تدون أفكارا بصور غريبة ولغة تعارض العقل والنقل كمن يرسم حيوانات، ويجعل رأس الواحد منها لحيوان، وجسمه لآخر، وذنبه لثالث، ونفوس شيطانية، الأمر الذي حال دون نضج إرادة التحرر من عقدة الخوف التي تجعل شبح الاستعمار حاضرا في حياتنا اليومية بشكل يشبه الهوس مع الأسف.

وبمناسبة احياء الذكرى الثانية والستين لهجومات الشمال القسنطيني كإحدى أهم المنعطفات في مسار الثورة التحريرية. رأينا التذكير بان خطورة مسالة التاريخ تكمن فى أنها مشكلة متشعبة شديدة التأثير على القيم، بليغة الأثر في النفوس. والمؤسف هو أن عندما يقرأ المرء التاريخ في المذكرات المخربشات ويسمع الشهادات المتأثرة بالميول، ويتتبع المحاولات غير المؤهلة، ويطلع على ما حُصِّل من أحداث يقف في عدة محطات متسائلا هل هذا فعلا ما حصل؟ هل هي الحقيقية؟ أم أن هذه الكتابة خضعت لميول وطبيعة وعقل الكاتب وشخصيته أو انحيازه لطرف ما أو فكر ما على حساب فكر أو طرف آخر.؟

ومن قراءة موضوعية دقيقة وعميقة لمواقف بعض الشخصيات التي كانت متواجدة خلال سنوات الثورة، والاطلاع على شهاداتهم من خلال مخربشاتهم وما احتوته من مصطلحات وتوصيفات، يكتشف بيسر التحول الكبير الذي طرأ على الفكر الثوري الوطني.

إن شهادات الحضور والمشاركة رسائل لابد أن تكون في شكل سبائك صقيله وثابتة تصاغ حسب الحدث، وتكتب عليها من منطلق واجب الشهادة والادراك الفعلي للواقع، لكن عامل ألأمية وآفة النسيان فسحا المجال لفكر الأعداء فأدخلوا في تاريخنا ما أفسد كثيراً من الحقائق، وقلب كثيراً من الوقائع، وأقام تاريخاً يوافق سعيهم لتعويض ما خسروه في المعركة بربحه في ساحة السياسة والفكر.

ولا شك أن أهمية كتابة التاريخ كأهمية دراسته في المجتمع تهدف إلى إتاحة الفرصة لاستخلاص العبر من الخبرات التاريخيّة من خلال دراسة احداث الماضي واستخلاص السياقات والدوافع التي أدت إلى تلك الأحداث، وتفسير أسبابها ونتائجها في محاولة التخلص من الأساطير والخرافات والوصول إلى معرفة أفضل عن طبيعة أحدات الزمن الحاضر. ما يجعل التأريخ وعاء للتجارب الإنسانية وحافظ ماتر التراث في مشهد ثلاثي الوجوه  » الماضي يحاور الحاضر عن المستقبل.

فإذا شئنا أن نؤثر التخلّي عن تقليد الآخر، وامتنعنا عن الانقياد الأعمى لرأي غيرنا، وسمحنا لأنفسنا بالتفكير مليا، واستوعبنا إن المصادر التاريخية المتنوعة  ؛ (مخطوطات، وثائق ، صور، نصوص، تقارير ومراسلات، ملامح الآثار، وأرشيف مذكرات وشهادات مكتوبة وشفوية عن مرحلة الثورة التحريرية .. الخ) جميعها تطرح جملة إشكاليات، وخاصة في مهمة الطالع عليها وحصرها كونها أوعية معرفية ثرية ودسمة، تحتاج إلى استثمار جيد، ودراية بمضامينها وبأن ما يحيط بها يقربنا من الحقيقة التاريخية أمكننا الجزم بانه لا يمكن الاكتفاء ببعض المصادر وتغييب بعضها الآخر فتكون الرؤية جزئية غير مكتملة.

هذه المسألة من بين المسائل التي لم ينقطع حولها الجدل منذ الاستقلال، جدل اثار في نفوس بعض الناشئة شكوكا حول جوانب مشرقة من تاريخ الجزائر عامة والمحطات المتوهجة في ثورة نوفمبر على الخصوص، وهذا النوع من الشكوك يُعدُّ بمثابة ردِّ فعل عفوي  خلال التَّعامُل مع المشكلات اليومية التي تقف حائلا دون إشباع الاحتياجات الفردية والجماعية في سياق آلية تخفيف شكوى المعْدَمين من وطأة الحياة المادية؛ والتناقض بين رؤيا الطبقات الاجتماعية الدنيا وعقل السُّلطة؛ خاصَّة ونَّ التَّناقُض ما يجعل من المتطلبات أرضية للاختلاف والصراع….

هجومات 20أوت 1955م

من المعروف أن الاستعمار، بجميع انواعه ومذاهبه يعرف أن الإنسان هو جوهر الحياة ومحورها، والعنصر الفاعل في ادارتها، والاستعمار الفرنسي لم يتخلف عن تسخير هذا السهم المعرفي في غزوه للجزائر ثم في حربه ضدها. إذ مارس أبشع أنواع الإبادة والجرائم الثقافية والفكرية لكونها المعبر عن هوية المجتمع، وقيمه، فكان منذ البداية يهدف إلى إلغاء الوجود المادي والمعنوي للشعب الجزائري، وسعى المستدمرون الفرنسيون لكسر شوكة الجزائريين بشتى الطرق ومختلف الوسائل. والمؤسف أن  الكثيرين من أبناء مجتمعنا اليوم لم يستوعبوا مدى فضاعه تلك الجرائم ولا تثريب عليهم، كونهم عاشوا في فضاء هيأه الأسلاف، فلم يصلهم من القمع ما وصل غيرهم من الآباء والأجداد، ولم يصلهم عنه من الأخبار ما يغذي قريحتهم الا ما أنتجته صراعات هامشية وصدامات عابثة لم تكن الا في صالح الأعداء طبعا. ففي ظل تلك الصراعات المصطنعة طمست معالم كبرى لثورة نوفمبر المباركة، بعد ان شوهت صورتها الأسماء المستعارة المتباهية بالزعامة والسبق، وخطب الزاعمين التي تطل علينا في كل مناسبة لتحدثنا عن الأمجاد والذكريات الشخصية وبذلك أراد شهدة الزور أن نحول معالم ثورة نوفمبر إلى وثن نعبده بدل الطواف بالماضي والحاضر وابراز دلائل الإيمان بالوطن واحترام اهله والالتزام بخدمته وبيان محاسن القيادة الجماعية والتخطيط الجاد لصيانه رموز السيادة الوطنية التي لا يجوز التفريط  فيها ولا يسمح بالمساس بها تحت أي عنوان كان بما في ذلك الخلاف السياسي.

فإذا كان لابد من الحديث عن المجاهد في يوم المجاهد وكان لابد من الاعتراف بوجود –أخطاء- تقديرية في تنظيم هجومات 20 أوت 1955م.فعلينا أن نعرف أن قرار زيغود يوسف انطلاقها عند الظهر  » منتصف النهار »ليس تهورا إنما بهدف جعلها حدثا كبيرا يحقق أهدافا جهوية ووطنية ودولية، وبرهانا على أنها ثورة الحرية تبناها الشعب في وضح النهار، والثوار ليسوا  » فلاڤة أو خارجين عن القانون » كما يدعي العسكر الفرنسوي وقادته السياسيون،بل هم أبناء شعب أراد التحرر والانعتاق.

 لا يمكن نكران ما لهجومات 20 أوت 1955 م من نقائص وأخطاء، باعتبارها من أخطر المنعطفات التي مرت بها ثورة نوفمبر 1954م إلا أنها عملية عسكرية سياسية ناجحة وقعها وأنجزها ميدانيا رجال عايشوا وقائعها وعاشوا لحظاتها قلبا وقالبا، وليس زورا أو ادعاء، مثل أولئك الذين نراهم اليوم يتقمصون ثلاث الوان في اليوم الواحد ويرتدون برانس غيرهم، وجعلوا الوقائع الحقيقة المشرفة لثورة نوفمبر تتحول مع الزمن إلى أساطير تروى بطرق تختلف أحداثها حتى تتناقض وتختلف تسمياتها وأمكنتها وأزمنتها بلا صدق ولا مراجع حتى صارت تبدو كانها من وقائع الزمن البعيد.

لست مؤرخا ولست من محترفي الكتابة التاريخية لكنني استطيع القول: أن ثورة نوفمبر ثورة القرن، ومن الصعب أن يتحدث عنها الجهلة والمغرضون، لأنها تحتاج إلى لغة الحق والحقيقة والصفاء، لغة خاصة لم تلوثها ألسنة السوء والأنانية

ولأنها ثورة كفاح من اجل التحرر، ثورة تضحية وجهاد.. فإن الثوار الذين حاربوا فرنسا لم يكن همهم إخراج المستعمر بذاته فقط، بل كان هدفهم الأسمى تحرير البلاد والعباد والمعتقد، واجهوا جيوش فرنسا والحلف الأطلسي وهم مقتنعون أن الله سينصرهم، لذلك كنت تراهم يستعجلون الشهادة، فأيدهم الله بنصره.

إن القادة الفرنسيين يدركون حق الإدراك عظمة الثورة الجزائرية، فهل سيبين لنا ارشيفهم محاولات الذاكرة الفرنسية إسقاط الكثير من الحقائق وتشويهها؟ هل سيعترفون بفشل محاولاتهم في منع الفرنسيين وشعوب العالم عن احترام وتقدير الثورة الجزائرية؟ وهل سيذكر المخربشون عندنا بان استراتيجية هجومات 20أوت 1955م: تكمن في  فك الحصار الذي كانت تعيشه الثورة في الأوراس يومها، وايقاف الحملات الوحشية في المناطق الأخرى التي كانت تهدف إلى سحق الثورة، ومنح الثورة، هل سيسجلون  الأبعاد السياسية والإعلامية لتلك الهجومات   على المستوى الدولي؟ وأخيرا هل سيذكر اصحاب التعليقات السلبية المتحججين بتدخل عبان رمضان في مؤتمر الصمام انهم معنيين بتقديم بدائل مقنعة عن هجومات 20أوت؟ هل يذكون أن الاعتراض للاعتراض رفضته الثورة لم يعد اليوم مقبولا،بل المطلوب خطط عملية تسمح بالخروج منأي المازق.

فقد كان من الواجب أن نتحدث عن المواقف والبطولات بكثير من الفخر والاعتزاز، بكثير من الواقعية، بكثير من الموضوعية التي تجعل الأجيال أكثر اقترابا من الوطن واشد تمسكا بالدفاع عنه.

محمد بوكحيل

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s