عشرون أوت ، ذكرى لا تنسى وحديث يطول

تحت هذا العنوان كتبت مقالا في 13أوت2008م ونشرته في صحف وطنية ودولية ومواقع الكترونية ومدوني الخاصة. ولأن التاريخ لا يموت رأيت أعادة نشره اليوم لحفظ الذكرى وتقييم الواقع.

إن ثورة التحرير الجزائرية ثورة كلية، أعطت لحرية الانسان وكرامته كل معانيهما، وقد جسد انتصارها ،اسلوبا فعالا وقيما جديدة لرفع مستوى النضال العربي في مواجهة الهيمنة الغربية ككل، وأججت طموح العرب وايمانهم بقوميتهم العربية ووحدتهم الوطنية والهمتهم المستوى اللائق بإمكانياتهم العديدة التي لم يجرؤوا على تفجيرها كلها واطلاقها من عقالها حينها، واحرجتهم في الاختيار بين التنازل عن ادعاءاتهم وآمالهم العريضة ،وبين ان يؤيدوها ويضمنوا جديتها بالبذل والعمل والجهاد، وكان على العرب ان يقاوموا الخوف بالجرأة، وأن يدفعوا الخطر بالتضامن، تضامن الخائف على بقاء أمته وهذا ما فعله المرحوم الرئيس جمال عبد الناصر ايضا عندما أمم القناة وثارت ثائرة الوحش الاستعماري وشهوته لإراقة الدم العربي، وجعل بذلك العرب في شتى اقطارهم يدركون أهمية تلك اللحظات الخصبة ، لحظات الحياة الخطرة التي تصقل قريحة الشعوب، وتصنع المعجزات.

لقد ادرك المجاهدون أن إيصال النشاط العسكري و السياسي و الاجتماعي للثورة إلى مستوى القطيعة التامة مع النظام الاستعماري أمر لن يتحقق إلا بتعبئة الطاقات ،وتجنيد كافة أفراد الشعب للانضمام لجبهة التحرير الوطني واستبدال الفٌرقة بالتكاثف والتلاحم و تعويض الخوف بالشجاعة والإقدام ،وهي المقدمة المنطقية لأولى للإنجازات الكبرى للثورة: « هجومات يوم السبت 20 أوت 1955م »تلك العملية العسكرية الضخمة التي قادها الشهيد البطل زيغود يوسف وغطت الشمال القسنطيني- من القالة إلى حدود بجاية – بهدف فك الحصار على المنطقة الأولى « الأوراس » التي تحملت العبء ألأكبر من الضغط العسكري الاستعماري الفرنسي، وشكل ذلك انشغالا مركزا لقادة المنطقة الثانية، التي كانت هي الأخرى تواجه متاعب جمة وظروف صعبة.

أن عمليات يوم السبت 20 أوت1955م شملت أكثر من 26 مدينة وقرية بالشمال القسنطيني إذ استهدفت كافة المنشآت والمراكز الحيوية الاستعمارية، مراكز الشرطة والدرك، و مراكز الشرطة البلدية وحراس الغابات، في المدن، ومزارع المعمرين في القرى والأرياف، وقد تمكن المجاهدون من احتلال عدة مدن وقرى في هذا اليوم المشهود، ونطفت الجماهير الشعبية بالتعبير عن رفض الاستعمار معلنا مساندتها لجبهة وجيش التحرير الوطني، 

لقد عد ت الهجومات بحق أول التحام حقيقي بين جيش التحرير الوطني والجماهير الشعبية، واهم المنابر لإبراز وحدة الشعب، وأحسن وسيلة لفك الحصار الإعلامي المضروب على الثورة. بإعطائها الدليل القاطع للأمم المتحدة على ان ما يجري في الجزائر هو ثورة وطنية ضد الاستعمار، وليست مجرد تمرد « الفلاقة أو قطاع الطرق » كما تقول السلطات الفرنسية، خاصة وأن الهجومات جاءت قبيل انعقاد الدورة العاشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة.

 لقد جاءت هجومات 20 أوت 1955 بعدما كانت الثورة الجزائرية قد سطرت بيان المرحلة الأولى في  منهج الثورة ضد الاحتلال الفرنسي حيث عملت جبهة التحرير الوطني على توعية الجماهير وتنظيمها ضمن هيئات مختلفة مثل تأسيس فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا في ديسمبر 1954م -إنشاء الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين في جويلية 1955م – وبعد مضي 10 أشهر على اندلاعها ،تزايد اتساع رقعة المشاركة الجماهيرية على الرغم من استشهاد العديد من مفجري الثورة، كالشهيد ديدوش مراد قائد المنطقة الثانية واعتقال بعضهم من أمثال مصطفى بن بولعيد الذي ألقي عليه القبض في 12فيفيري1955م،واستطاع الفرار من السجن العسكري بالكدية في نوفمبر1955م ، ورابح بطاط اعتقل عام 1955م وحكم عليه بالسجن المؤبد وغيرهم ..،

أما على الصعيد الخارجي فإن السمعة الجزائرية سجلت حضورها رسميا في المحافل الدولية في مؤتمر باندونغ في أبريل 1955م وكان ذلك أول انتصار لديبلوماسية للثورة الجزائرية النقية ضد فرنسا « العظمى؟!ذ »  وفي كل هذه الأوضاع خططت قيادة الثورة ولمدة ثلاثة أشهر لشن هجومات واسعة في الشمال القسنطيني. فبعد أن عين زيروت يوسف خلفا للشهيد ديدوش مراد على رأس المنطقة الثانية وجه نداء الى الجزائريين الأعضاء في المجالس الفرنسية يدعوهم الى الانسحاب منها والالتحاق بمسيرة الثورة،.، وعقد اجتماع في الفترة ما بين 25 جوان و 01 جويلية 1955 م في ضواحي سكيكدة حدد فيه 20 أوت 1955 م موعدا لانطلاق العمليات بعد توزيع الأدوار على القادة وتحديد النواحي، كان الثوار مدركين عدم تكافؤ قوتهم وقوة جيش الاستدمار ولكنهم كانوا مؤمنين بمساعدة الشعب لهم، وعلى اثر الهجومات كان الرد الفرنسي عنيفا والجرم كان اشد. إذ ردت السلطات الاستعمارية بوحشية كبيرة على هجومات جيش التحرير الوطني، بحيث شنت حملة توقيف واختطاف وقمع واسعة وقتل، استهدفت الآلاف من المدنيين الجزائريين، و قام بقصف القرى جوا وبرا وبحرا وقامت الإدارة الفرنسية بتسليح الأوربيين المدنيين، كميلشيات خاصة وعمدوا على خلق الفوضى و الانتقام من المدنيين العزل وارتكبت قوات الاحتلال مجزرة كبيرة في ملعب – فيليب فيل- سكيكدة ( أين حشرت الآلاف من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ ) وأعدمتهم ببشاعة فسقط ما يزيد عن 12000 جزائري. عربونا للحرية والانعتاق خلال ثلاثة ايام فقط.

إذا، لقد كان لهجومات 20 أوت دورا هاما في دفع مسيرة الثورة التحريرية وتحقيق انتصارات أخرى، ،كما كان متوقعا لها حيث خلق اضطرابا للموقف الفرنسي و عزل فرنسا سياسيا في الجزائر وعن العالم ، كما تم تطوير الثورة لتتماشى مع القانون الدولي و تحقيق المساعدة الدائمة للشعب ليقف ضد إبادته … و تكون ثورة اكثر تنظيما وشمولية

 و ذاق الفرنسيون في الجزائر أقوى مرارة المقاومة وعاشوا ساعات رعب لن ينسوها وتيقنوا من العلاقة بين القمع والثورة و بين الاضطهاد واساليب الفاشية الفرنسية وهو ما زاد من تعطشهم للاغتيالات العشوائية ومن طواري الحكومة الفرنسية برئاسة « منديس فرانس » ولتضليل الرأي العام العالمي حاولت أن تربط المظاهرات التي جرت في المغرب احياء لذكرى نفي السلطان محمد الخامس والتي تزامنت مع هجمات الشمال القسنطيني – 20أوت– 

يقول الكاتب المؤرخ الفرنسي بن جمين ستورة :(لقد عاشت السلطات الفرنسية هلعا واضطرابا على مدى ثلاثة ايام، الإضافة الى اعمال القمع التي سخرتها ضد الجزائريين المسلمين اهتزت حكومة منديس فرانس، واستقال وزيران، وقررت الحكومة تأجيل خروج دفعة الجنود الذين انهوا واجب الخدمة العسكرية، واستدعت 60000 جندي من الاحتياطين، وما الى ذلك من القرارات التي اظهرت فرنسا في صورة حرب حقيقية.

ومن النتائج الإيجابية لعمليات الشمال القسنطيني، تهيئة الأرضية لعقد مؤتمر الصمام 20أوت1956م الذي جاء كضرورة حتمية لتقييم المرحلة الأولى من الثورة المسلحة، ووضع الخطوط العريضة لمواصلة الكفاح المسلح والتخطيط للعمل السياسي من أجل استرجاع السيادة الوطنية و إجراء فعال لتزويد الثورة بقيادة مركزية وطنية موحدة. تقوم بتنظيم الأمة وتسيير الكفاح المسلح، ووضع خطة لما بعد الاستقلال تحسبا للمناورات الاستخباراتية للعدو، وما قد تقوم به لإفشال الاستقلال وتحريف القيم العربية الاسلامية لدى ابناء الجزائر.  

إن هجومات 20اوت 1955م،تمثل درسا سليم المعطيات دقيق الأهداف عرى خرافة القوة الفرنسية التي لا تقهر، لكن الاستعمار الفرنسي كالتلميذ الغبي، عميت اعينه بالأمس عن الحقائق، وصمت اذانه اليوم عن سماع صوت الحق،وهاهو اليوم يسعى لمحو ما لا يمكن محوه، يحاول إدخال الجزائر الى بيت الطاعة، بخرفة جديدة الاتحاد المتوسطي، وهو بعلم أنه لن يستطع مهما فعل فالجرح عميق لم يلتئم بعد والجماهير لن تعفو ابدا.

 والسؤال الذي نطرحه اليوم هو: كيف عادت روح الخيانة الى النفوس الهرئة في الحزائر وصار البعض يجعل ما فرنسا قبلته للتبرك ؟!  .

محمد بوكحيل

2 commentaires pour عشرون أوت ، ذكرى لا تنسى وحديث يطول

  1. DJEHA Mokhtar dit :

    Le 20 aout 1955, des centaines de personnes ont été jetées dans des tranchés creusées au stade Cutolli de Skikda (ex Phillipeville) et enterrées vivantes, en représaille à la mort de quelques colons tués dans la mine de marbre de Filfila par les moudjahidine.
    Des massacres de populations ont eu lieu le même jour et les journées qui ont suivi et se sont poursuivis à Sidi Mezghiche, Ain Abid et dans beaucoup d’autres localités de l’Est Algérien.
    Ces évênements douloureux doivent par conséquent être enseignés et rappelés à nos enfants d’aujourd’hui pour qu’ils soient conscients des sacrifices consentis et des souffrances que nos parents et nos grands-parents ont subi pour l’indépendance de l’Algérie.
    Mais quand on voit les dérives de certains responsables, qui n’ont jamais tiré une cartouche en direction de l’ennemi ni contribué par un seul centime à la Revolution et qui se comportent comme des colons, il ne faudra pas s’étonner des réactions parfois violentes et néanmoins compréhensibles des jeunes.

    J'aime

    • أخي العزير مختار:
      بقدر ما اشاطر رأيكم بقدر ما الزمني الموقف ابداء رأيي في لب الموضوع: وأقول إن الذي شجع هذه الممارسة قبل ما عداها؟ هو العداء لتضحيات الآباء والأجداد وهذا أمر طبيعي إذا ما أسلمنا أن حزب فرنسا موجود

      لدى علينا نحن المؤمنين بالقضية، أن نضع حدودا مميزة للنشاط التاريخي فيما يتعلق بالأهداف والوسائل التي تستخدم في تعليم الناس كيف يقرؤون التاريخ والوصول إلى تحرير النفوس مما دنسها
      فحتى ولو شكليا فقد كان التغني بالوطنية قبل الاستقلال وبعده والتمسك بمبدأ الوفاء وغيرها سدا منيعا ضد الانتهازية والانتهازيين.
      اشكرك سيدي على اهتمامك وحسن قراءتك لما كتبنا.

      J'aime

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :