يــوم الــعـلم: نشأة الاتجاه الثوري في الجزائر وتطوره

إن ما حدث ويحدث في اوطاننا مِن محاولات مسخ الشخصية العربية الاسلامية بابعاد الامة عن ماضيها وعزلها عن واقع حاضرها ،بتهميش دورها الحضار ي وإضعافها  تمهيدا لتدميرها،لم يكن وليد هذه الأيَّام، وإنما هو نتاج عقود إن لم نقل قرون من العمل الدؤوب، وحياكة المؤامرات،امرلا تستطيع اي ثقافة فهم كيفية حدوثه مالم   تدرك انه سعي يهدف إلى خنق أي مبادرة لكشف مؤامرات زع الفتن من قبل عملاء، وربائب الاستعمارالثقافي، جنود الغزو الفكري ودعاة التبعية الحضارية.

لقد بات من المعروف، ان مسلسل  الـ ثمان حملات الصليبية التي يشنت أروبا على شعوب امتنا كانت حملات دينية وتحت شعار الصليب طبعا. فالقديس (لويس التاسع) قائد الحملة الصليبية الثامنة، وملك فرنسا بعد هزيمة الحروب الصليبية، وتم اسره في مصر وخرج من الاسر بفدية قال: لابد من تغيير المنهج والسبيل. واوصى أتباعه بتغيير فكر المسلمين، والتشكيك في عقيدتهم وشريعتهم.

و في ذات السياق قال الناقد،الكاتب والشاعر والشاعر،(وليم غيفورد لغراف)المسمى بالحرباء الكلمة المشهورة:(متى توارى القرآن، ومدينة مكة، عن بلاد العرب، يمكننا أن نرى العربي، يندرج في سبيل الحضارة، التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه) هكذا يقول!

جئت بهذه المقدمة الطويلة لأذكر بأن ما اعتبره البعض في الغزو الفرنسي للجزائر سنة 1830م استعمارا ماديا. ليس كذلك. وأن الكثير في زمننا هذا لا يعرفون كيف تهيأت ثورة نوفمبر 1954م داخليا على الرغم من أن نتائجها أصبحت معروفة بما فيه الكفاية.ولو أن هذه الثورة يراها الكثير قد أتت في وقت متأخر وكان من الأجدر أن تحدث في وقت سابق بكثير ، فاننا نراها جاءت في وقتها من حيث الإعداد ونطرح السؤال:لماذا لم تحدث الثورة في وقت سابق لنوفمبر1954م؟وقد يطرح سؤال عفوي متعدد الفروع هو :

 ترى لماذا هذا التوقف في الزمن؟ ولماذا لم ينخرط  البعض في الثورة رغم انها ثورة شعب ؟ لماذا لم تشتعل نار الثورة في مناطق حزام الفقر والامية ففقط كما تقول الحكمة التقليدية. أو كما حمل في الكليشيهات التي تتبناها دراسات الحداثة وبناء الدولة في الأدبيات الرائجة التي سطعت شمسها في عالمنا العربي المعاصر، وتوافقت مع ما يحمل عصرنا من عقد نفسية.؟.إن الثورة لم تقتصر على مناطق الفقر والجهل بل تمددت في جميع ربوع الوطن الى غاية دحر الاستعمار و تحقيق الاستقلال؟.

وللتوضيح اكثر لابد ان نشير هنا الي اننا قد اعتدنا عدم الاشارة الى الجهد الذي قام به رائد الاصلاح بما يلزم ونحن نحيي ذكرى وفاتها، وان كل ما قيل في عديد المناسبات عن الشيخ قد جاء في السياق العام ، وربما ليس هناك من استوعب كافة الجهود المبدولة لتبليغ رسالة جمعية العلماء، ولفهم رسالة هذه الرسالة اكثر ، لابد لنا بادئ ذي بدء من بيان الأسس العامة لتأسيس الجمعية.عن ذلك يقول  الشيخ زوهير بن الطيب ساسي:

« إنّ رسالة جمعية العلماء التي تأسست لتحقيقها، هي ترشيد الشعب الجزائري إلى فهم ذاته، والتكيف بها إلى ما ينهض به من كبوته، وتحريره من الاحتلال الفرنسي الجاثم على صدره منذ قرن، وذلك ببث الوعي الإسلامي الوطني في صفوفه، بإحياء مقومات شخصيته بالتربية، والتعليم »

وعن مبادئ الجمعية واسلوب عملها يقول الشيخ محمّد البشير الإبراهيمي: “لجمعية العلماء في كل نقطة من السّياسة الجزائرية رأي أصيل تجهر به وتدافع عنه، وتذيعه في النّاس وتخالف رأي غيرها بدليل، وتوافقه بدليل لأنّها لا تقبل التّقليد… وصفوة رأي الجمعية في السّياسة الجزائرية تحريرالجزائرعلى أساس العروبة الكاملة والإسلام الصحيح والعلم الحي »  إن  مسالة الاستعاب مسالة صعبة وتاريخ يتأرجح بين الشك واليقين،إذ كلما طرح سؤال حولها تولدت عنه اسئلة اخرى، وهذا النوع من الاسئلة يظل معلقا يبحث عن امكانية الإجابة عنه وستحصل رغم اختلاف المفاهيم من الإنسان العامي إلى رجل العلم إلى المفكر والمؤرخ كل حسب قدرته … بخلاف الاسئلة البسيطة التي تعد سهلة بديهية لا تثير اي قلق او ارباك وسيحجبها النسيان… يمكننا أن نفسر اسباب ذلك على معنيين: حقيقي ومجازي.إلا أن مقالنا هذا ليس في صدد التركيز،على نشاط الجمعية أوعلى انطلاق الثورة ومجرياتها أكثر مما هو يسلط الضوء على كيفية الإعداد لها وواقع الآثار الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها المرحلة  الاستعمارية.

و سنركز على هذه النقطة الجوهرية من أجل التوصل إلى فهم واقعي وموضوعي لما نرى اليوم.

إن المتعارف عليه عند العامة هو أن من قاموا بالثورة هم تلك الفئات المهمشة جغرافيا، واقتصاديا، تعاني من البؤس والحرمان وتفتقد الحياة الكريمة! إلا أن هذه المواصفات عاطفية بعيدة عن النظرة التحليلية لواقعنا. وتعيق تحقيق الاهداف الحقيقية بالشكل الذي نراه في ثورات البلاد المتقدمة.لقد ظلت فرنسا مستعدة  لتغريب الجزائر ودفع شعبها إلى الهاوية، وما جعل السيرورة الثورية تتأخر هو غياب طبقة طلائعية، قادرة على مقامة الفكر الاستعماري، وترسيخ الفكر القومي.

الكل يعلم إن فضل التاريخ لا يحصر فيحد، ومنافعه لا تختصر فتعد، وإنما هي  تمييز الفضيلة من الرذيلة، والمحمدة من المذمة، والشجاعة من الجبانة، والشهامة من السفاهة، والنجابة من الدناءة، والكرامة من اللأمة، والرفعة من الحطة، …والكل يعلم أن العقد الثالث من القرن شهد في الجزائراتجاها جديدا يشكل ثورة كاملة على كل ما كان وما هو كائن في المجتمع..ثورة ضد فكر « يتهدد أمتنا وتراثنا وعقيدتنا وعلمنا وعلومنا وقيمنا، وكل شيء في حاضرنا وماضينا ومستقبلنا « فكيف نشا هذا الاتجاه؟للحديث عن نشأة الاتجاه الثوري وتطوره في المجتمع الجزائري، علينا ان نتحدث عن منشئيه، وهنا نقول: « المرأة تلد المرء طفلا والتاريخ يجعله رجلا بطلا » نقول هذا لأن الحركة الوطنية الجزائرية طوِّرت ما بين نهاية الحرب العالمية الأولى وإندلاع ثورة التحريرالمظفرة أي بين [1918م و1954م] تلك الملحمة الوضاءة في مسارالكفاح الوطني من أجل استعادة السيادة الوطنية وتحقيق الوحدة الترابية. وضحت قناعة الشعب الجزائري بعدم كفاية المقاومات المسلحة.

بدأت بوادر العمل السياسي في الجزائربالمفهوم العصري في مطلع القرن العشرين الميلادي، على شكل جمعيات و نوادي وشخصيات، قدمت عرائض ومطالب تعكس اهتمامات الجزائريين وترفض السياسة الاستعمارية، في حركة  جمعوية فكرية لا يتسع المجال هنا للخوض في تفاصيلها الدقيقة لذا سنكتفي بالحديث عن الاتجاه الفكري التصوري البحت وفي مؤثراته النفسية.فمن المعلوم أن الاستعمار الفرنسي ومنذ دخوله الجزائر كان يحاول القضاء على هوية الشعب الجزائري و مقومات شخصيته العربية الإسلامية، لكن الشعب قاوم هذه السياسة بمختلف الوسائل المتاحة في: (أحزاب ، وجمعيات وتجمعاتمحلية.. الخ).وهنا يٌطْرح سسؤال جوهري،ويكفي للدلالة على وجود ثورة سياسية قبل الثورة المسلحة وأثناءها.

إن حملات دعاة التغريب المستمرَّة، والتي أثبتت خيبتها فيما تدعو إليه من تقدمنا الحضاري، بل أدت إلى تهميشنا حضاريًّا، وعلميًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا،وكرست تبعيتنا لغربيَتهم. هكذا نجحَت مساعيهم  في اغترابنا في مجتمع لم نعد نألفه، وواقعٍ لَم نعد نسيطر عليه، وما زالوا يتبجحون بأنَّنا في حاجة إلى مزيد من التَّغريب؛ لأننالم نستورد منهم ما يكفي من القيم والمبادئ، والأخلاق والدين لنتقدم مثلهم… وما زالت ألسنتهم وأقلامهم تلوك العبارات الفجّة المسمومة من أن سبب تخلُفنا هو الإسلام !كل ذلك كان دافعا لإنشاء جمعية العلماء،ورغم المتابعات والمطاردات الاستعمارية نشات الجمعية  برئاسة رائد الإصلاح الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي نحتفل هذه الأيام بالذكرى 76لوفاته،،ولنعرف أسلوب الجمعية ونفهم دورها لابد لنا من قراءة هذا الوصف

…هي جمعية مؤلفة من أشخاص حياديين ينتمون إلى نادي الترقي غير معروفين بالتطرف لا يثير ذكرهم حساسية أو شكوكا لدى الحكومة ولا عند الطرقيين. وأعلنوا : أن الجمعية دينية تهذيبية تسعى لخدمة الدين والمجتمع, لا تتدخل في السياسة ولا تشتغل بها .. » ولنفهم ان ليس علي الفكر حرج أن يدحض زعم الزاعمين بانهم دعاة حضارة.ويزيد من اصرارنا على إقرارنا بانها معركة فكر اكثر مماهي معركةسلاح، وما ورد في نصائح « شارل مارسيال لافيجري » الى الخارجية الفرنسية إذ يقول : « لقد تعجلنا كثيرا، طاعة لساسة الشارع، في إحلال متصرفين مدنيين محل المتصرفين العسكريين. صحيح أن ‘المكاتب العربية’ لم تكن على خير ما يرام. لكنها كانت تملك، في نظر الأهالي الذين يؤمنون بأن القوة هي كل شيء، هيبة سيوفها وهيبة القوات الموضوعة تحت تصرفها، لقد عوضنا أولئك الضباط بمتصرفين مدنيين، أغلبهم غير أكفاء وليس لهم أي شيء مما يهابه العرب » الا دعوة لاستعمال الفكر الى جانب السلاح. لنستعرض وأيا كم الفقرة الثانية من بيان أول نوفمبر 1954م :

{ … فنحن نعتبر قبل كل شيئ أن الحركة الوطنية – بعد مراحل من الكفاح – قد أدركت مرحلة التحقيق النهائية، فإذا كان هدف أي حركة ثورية – في الواقع – هو خلق جميع الظروف الثورية للقيام بعملية تحريرية، فإننا نعتبر أن الشعب الجزائري في أوضاعه الداخلية متحدا حول قضية الاستقلال والعمل، أما في الأوضاع الخارجية فإن الانفراج الدولي مناسب لتسوية بعض المشاكل الثانوية التي من بينها قضيتنا التي تجد سندها الدبلوماسي وخاصة من طرف إخواننا العرب والمسلمين}.

هذه فقرة من بين فقرات بيان لم يكن عسكريا بحتا،ولاسياسيا خالصا بل تضمن أيضا تأسيس الدولة الجزائرية ككيان ثقافي وحضاري له مفهوم عريق، ودعا الى نبذ التطرّف  والتمذهب والاندماج في العمل الثوري الذي يهدف إلى لمِّ الشمل وتوحيد الحركة الشعبية ومختلف القوى الوطنية بكامل أطيافها.هكذا حعل الجزائريون فرنسا العدو الوحيد.. واعتبرالكفاح المسلح وسيلة لاغاية في حد ذاتها.وبين بما لايدع مجالا للشك ان اعداد القناعات الاساسية قد قطع شأوا بعيدا.يمكننا القول:أن الجهاد الّذي أعلن ضدّ الاستدمار الفرنسي وتكلّل ببزوغ شمس الحريّة، قد تم اعداد اسبابه الاساسية ابن باديس وجمعيته ومن عاشوا زمانه  من الوطنيين.

محمد بوكحيل

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :