شهادات حية لمشارك في الحملة العسكرية على جيجل سنة 1840

كاتب هذا النص هو كليمنس لامبينغ و هو جندي ألماني في اللفيف الأجنبي شارك في عدة حملات عسكرية في منطقتي الجزائر ووهران. ترجمت المذكرات التي كتبها من الألمانية إلى الأنجليزية ، وقمت بترجمة الفصل الثلث منها  بدوري من الأنجليزية إلى العربية لتعميم الفائدة و وتزويد القراء بنظرة عما جرى في جيجل سنة 1840 .

عزالدين بوكحيل

الفصل الثالث

جيجل- اللفيف الأجنبي- المناخ- هجوم القبايل على الحصون- المجاز المرتكبة في حق قرية قبائلية- قتال أسطوري- موت صديقي- حصن دوكانس-  سمك نجمم البحر – الإشتباك مع القبايل- هروب المساجين- دفن موتى القبايل.

جيجل ، 25 أوت

التحقنا بجيجل بتاريخ الخامس عشر من شهر أوت بعد رحلة ممتعة دامت 36 ساعة تخللها توقف قصير في مدينة بودشيا Budschia (بجاية).

يكون سطح البحر الأبيض المتوسط عادة هادئا يشبه المرآة في فصل الصيف. فمياهه تكون صافية  ولطيفة ،وأعماقه لا توحي بوجود أخطار  تتهد ايا كان، لدرجة أننا نادرا ما مانفكر في القوى الفتاكة التي تنام في دهاليزه. لكن خلال فصل الخريف الماضي تغير طبعه رأسا على عقب، إذ هبت عواصف هوجاء، و ثارت أعاصير كثيرة جعلت سواحل إفريقيا من أخطر السواحل في العالم؛ نعم لقد كانت كذلك، لأنه لم يكن هناك أي ميناء أو مرفأ ، في كافة الأراضي التي احتلتها فر نسا ، بوسعه ضمان السلامة و الملجأ الآمن للبواخر. فقد خسرت فرنسا خلال السنة الماضية لوحدها،  ومراكبها في طريقها لميناء سطورة، مسافة غير بعيدة من هنا، أكثر من عشر سفينة في ليلة واحدة.

وقد تعهدت الحكومة أن تعالج  الأمر، وتجنب حدوث مثل هذه الكارثة مستقبلا ببناء موانئ اصطناعية، فدفعت ثمنا باهضا من أجل توسعة ميناء الجزائر، عن طريق إغراق صخور كبيرة و كتل من الإسمنت الخاص في قاع البحر؛ لكن لسوء الحظ لن يجدي ذلك الإجراء نفعا مع ميناء جيجل.

فجيجل لا تملك سوى طريقا صغيرا مشيدا فوق الصخور المتاخمة لمياه البحر؛ تتبع هذه المدينة لمقاطعة قسنطينة وتقع بين « بوتشية » و »فيلب فيل » . يسكنها أتراك وعرب يعيشون على تجارة مزدهرة من جراء القرصنة . بالرغم من أن المدينة تشبه أكواما من الحجارة ، فهي كما قيل لنا تحتوي على كنز مخبئ تحت الأرض.

لطالما تمننى الجنود نشوب شجار بين السكان و الأتراك حتى يتخذوا من ذلك دريعة لغزو المدينة و نهب خيراتها . غير أن هذا  الإحتمال يبدو بعيد الوقوع،  بحكم أن العرب تربطهم علاقات جيدة مع الحامية التركية ، و أن القبائل الذين يسكنون  الجبال غير البعيدة  من هنا لن يهاجموهم مثلما يفعله الفرنسيون.

إن المقاطعة الموجودة بين الجزائر و « ديشيلي » جيجل و التي تقع بمحاداة جبال  » أفرون » هي بلاد  القبائل الحقيقية.

لا يملك الفرنسيون أرضا أخرى غير غير تلك التي توجد في الطريق المؤدي للحصون أو داخل الحيز الذي شيدت عليها هذه الأخيرة ، أي حوالي نصف كيلو متر . يشكل فيلقنا ، و هو الفيلق الثالث لللفيف الأجنبي ، مجمل الحامية و يقوده المقدم بيكولو Picolou   و هو فرنسي الأصل. و كسائر الفيالق الأخرى، يتشكل هذا الفيلق من جميع الجنسيات و من جميع الطبقات ، إذ نجد الإسبان و الإيطاليين و الألمان و البلجيكيين و الهولنديين، لكنه لا يوجد  به عساكر إنجليز. التحق أغلب هؤلاء العساكر بالخدمة لأسباب قد تثير الدهشة و الإستغراب، إذ نجد منهم من التحق بسبب ارتكابه جرائم سياسية ، وارتكب آخر مخالفات في حق المجتمع ، و نجد فئىة قليلة منهم توعز التحاقها لسوء الحظ.

يتسم أغلب  هؤلاء الرجال بالعنف و عدم الإنضباط ، لكن نجدهم من جهة أخرى مستعدين لمجابهة أي طارئ . يشكلون فريقا إذا ما توفروا على قائد يتسم بالحيوية ، و بإمكانهم إنجاز أشياء كبيرة. تتوفر مجموعتنا ، كغيرها من المجموعات المنتمية للأسلاك النظامية ، على شخصية صلبة. لقد ظننت في البداية أن حظي مأساوي لكنني سرعان ما وجدت من هم أسوأ مني. إذ لا يوجد أي واحد من بيننا لم تحدث له قصة في حياته لا يتوانى عن روايتها ، و الأسوأ من ذلك أنه مجبر على الإعتراف بأن لكل مأساة وقعت جانب مضحك. بإمكاني أن أقول دون خطأ أنني سمعت الكثير من السير الذاتية  في يوم واحد  تفوق ما دونه العالم الإغريقي المختص في السير و التراجم.

توكل كل المهام داخل اللفيف الأجنبي للفرنسيين الأصليين، و تشكل ما يشبه الترقية إلى مصف الضباط ، كما أنه يوجد بعض البولنديين و السويسريين من بينهم  و هم أخر من من التحقوا بنا بعد ثورة جويلية؛ لكنه يضل من الصعب على العناصر الأجنبية أن يصلوا إلى رتبة ضابط.

بالرغم من أن جيجل تقع على نفس الإرتفاع بالنسبة لمدينة الجزائر إلا أن جوها أكثر حرارة و غير صحي. إذ نجد أن نصف أفراد  الحامية قد أصبحوا غير صالحين  للخدمة بسبب الحمى التي تعيقهم و تمنعم من العمل ، وهو ما يجعل من أي نشاط يقوم به الأصحاء قاس و مضاعف الصعوبة  . أما الحرارة الخانقة فحدث ولا حرج ، فهي تؤثر أيما تأثيرعلى جميع الجنود الجدد ، فنرى قواهم تنهار و تتلاشى يوما بعد يوم ؛ و الشخص الذي كان يبدو كالأسد قبل وقت قصير أصبح يئن ، فاصفر وجهه،  و خفت صوته لدرجة أصبح يشبه صوت الأطفال. وكل يوم،  قبل بزوغ الفجر، يتم نقل سبع أو ثمان جثث خارج المدينة في سرية تامة. فإلى حد الساعة لا زلت أقاوم تأثير المناخ ، لكنني صرت أهتم بنفسي أكثر مما يفعله زملائي و أمتنع عن أكل الفواكه. إن القاعدة الصحية الأولى التي ينبغي مراعاتها هي أن تتبع قدر الإمكان أساليب العيش التي اعتاد أبناء البلد اتباعها جيلا بعد جيل، فأغلب سكان أوربا الشمالية يدمرون صحتهم بفعل الإصرار على اتباع نفس عاداتهم السابقة عندما يسافرون إلى بلدان أجنبية.

سبتمبر 1840

لقد قضينا، بالتناوب ، أربعة عشر يوما داخل المدينة، و وقضينا الفترة ذاتها داخل الحصون، و كانت الفترة الأخيرة هي الأسوء على الإطلاق. تم بناء الحصون المحيطة فوق أعالي بالمدينة، و نصبت على شكل نصف دائرة. تم تشييد كل حصن من ألواح من شجر البلوط المستورد من فرنسا،  وهو حطب قوي ، باستطاعته مقاومة الرصاص. تتكون هذه الحصون عادة من طابقين و تكون محمية بحائط وخندق. توضع ألواح كبيرة فوق السور ، يتم عادة تزويد الحضن بمدفعين  و أسلحة تستعمل عبر الحائط و هي تؤدي خدمة جليلة.

و من أجل التخفيف من حدة الوقت علينا  ينزل أصدقاؤنا القبايل من الجبال المجاورة من أجل إلقاء التحية علينا. يلقون علينا التحية من بعيد باستعمال وابل من النعوت مثل  » بهلول »، و لا يلبتوا أن يتبعوا ذلك بإلقاء سيل من الحجارة علينا . لم نكن أقل منهم أدبا من جهتنا، وكنا نسمح لهم بالإقتراب منا لمسافة قريبة ثم نستقبلهم  بوابل من طلقات البندقية و بعض الطلقات من مدفعية الميدان، ينسحب المهاجمون بعد ذلك و هم يشعرون براحة الضمير، لكنهم يبدون الكثير من مشاعر الغضب اتجاهننا. كنا بطبيعة الحال نتواجد في موقع أحسن منهم، لأننا كنا نحتمي خلف جدراننا و خنادقنا ، لكن كنا من حين لآخر نصاب ببعض الجروح أو يتعرض البعض منا للموت أحيانا أخرى.

لقد قاموا بمهاجمتنا قبل بضعة أيام بعنف غير معهود وبإصرار لا نظير له. كنا نرى في بعض الأحيان قبل طلوع الشمس أعدادا كبيرة من القبايل ينزلون من الجبال. كنا نرى الساحة تمتلئ بالبرانيس البيضاء، و كانت كل الحصون تتعرض للهجوم في وقت واحد . كانت النيران التي نطلقها غير كافية لردع العدو الذي كان يهاجمنا بكثافة، و كان يستطيع أحيانا أن يصل إلى غاية الأسوار، لكنهم لا يستطيعون إلحاق أي ادى بنا وهم يطلقون علينا النار من هذا المكان، لكنهم من شدة غضبهم كانوا يرمون أحجارا كبيرة فوق رؤوسنا ؛ كنا ننسحب بسرعة نحو حصوننا و نحكم إغلاق  البوابات. في بعض الأحيان يتسلق القبايل الأسوار الخارجبة و يحاولون اقتحام الحصن وهم على درجة  شديدة من الغضب. حاول البعض منهم أن يرمي المدافع من أعلى الأسوار لكن دون جدوى، و اضطروا لخوض أسوء المعارك.

قام نصف تعدادنا الذي يوجد في الأعلى بإزاحة لوحة خشبية تركت هناك لهذا الغرض وجعلها تسقط على رؤوس القبايل بينما قام فيه بعض المدفعاجية بإلقاء قنابل يدوية كنا نمتلك كميات كبيرة منها. لم يكن بوسعهم تحمل أكثر من هذا فتفرقوا و فروا في عدة اتجاهات ، لكنهم سحبوا موتاهم و جرحاهم، لأن المسلمين لا يتركوا رفاقهم بين أيدي العدوا أبدا.

لم يقوموا بزيارتنا  بعد ذلك إلا بعد مرور أيام . كان القبايل ، وهم يعرفون بقوتهم و شجاعتهم ، يسكنون منازل مبنية و يشتغلون في الفلاحة و في تربية المواشي. كانوا يحاربون على أقدامهم و يحملون سلاح « ياطاغان » وهي بندقية تركية طويلة يبلغ مدى طلقتها نفس مسافة مدفعيتنا المنصبة عبر الأسوار.

لا يقوم القبايل بالغارات ليلا، لأن أحد مبادئ دينهم تقضي بأن لا تتجول أو تحارب خلال الليل ، وهم يطبقون هذا بحذافيره . وإجمالا، أتباع محمد  أفضل منا نحن أتباع المسيح في مجال احترام المبادئ.

لا أريد ان أعيد التذكير هنا أنه في  مناسبات الحرب كان كل واحد منا يقوم بواجبه مع مراعاة الحيطة و الحفاظ على ما هو ذي أكبر قيمة لديه و هو سلامة رأسه، فمن سقط منا بين أيدي القبايل يعني أنه لم يولد تحت نجم الحظ –فرأسه ستقطع فورا و تؤخذ كغنيمة.

سار القائد ذات ليلة في الجبال مرفوقا بكافة عناصر الحامية  بغرض معاقبة القبايل على قلة أدبهم وعجرفتهم . انطلقنا حوالي منتصف الليل بارشاد بعض العرب من الذين يعرفون البلاد معرفة جيدة . سرنا دون توقف في جو من الصمت بين التلال و المنحدرات إلى غاية قبل طلوع الشمس قبل أن نسمع صياح الديكة و نباح الكلاب لنلاحظ أننا نوجد بمكان قريب من أراضي إحدى القبائل . أمرنا بالتوقف و تركت كتيبتان بمدفعيتها في الخلف فوق ربوة.

بعد توقف قصير شرعنا في السير تانيىة ، فجعلتنا اولى أشعة الضوء نبصر أكواخ القبيلة بالقرب منا. رأينا شيخا من القبايل  يخرج رفقة ثورين وهو ذاهب للحرث ، و ما أن رآنا حتى صرخ من الخوف و فر، لكنه تم إسقاطه أرضا بعد أن أطلقت عليه رصاصات مصوبة باحكام. و في رمشة عين تخطى القناصة و المشاة الذين كانوا يتقدموننا سياجا من الأشجار  يحيط عادة بقرية القبايل و بدأت  المجزرة. أعطيت الأوامر بأن يتم قتل جميع الرجال و تؤخذ النساء و الأطفال كرهائن ، لأننا نطبق مبدأ « العين بالعين و السن بالسن  » .

لم يكن سوى بعض الرجال خارج أكواخهم ، وكان أغلبهم لا يزالون نياما .لا أحد استطاع النجاة من الموت. هرعت النساء و الأطفال و هم يصرخون خارج أكواخهم التي كانت تحترق ليشاهدوا كيف كان الرجال يتعرضون لمجزرة. خرجت إمرأة شابة و هي تحمل صبيا فوق صدرها، لكنها سرعان ما تراجعت نحو الكوخ بعد أن رأت رجالا اجانب و هي تنادي « محمد! محمد !  » ثم دخلت إلى كوخها الذي كان يحترق. أسرع بعض الجنود لإنقاذها ، لكن سقط السقف قبل وصولهم ، فهلكت مع طفلها تحت ألسنة اللهب.

رجعنا مع كل ماغنمناه ، وهاهي القبائل الأخرى تأتي من كل حدب وصوب لتقدم الدعم والعون بعد أن سمعت أصوات الصراخ المتصاعدة. وجدنا أنفسنا مجبرين على الإنسحاب فتركنا أغلب الماشية التي أخذناها. استطاعت الأسلحة و المدفعية التي تركنها خلفنا أن تمنحنا بعض الوقت لنتنفس ، ومع ذلك قتل و جرح البعض منا.

بعد ذلك بأيام تم إرسال وفد من قبل الناجين و هو يحمل مقترحات من أجل فدية النساء و الأطفال   مقابل الماشية و هو ما قبلنا به. إنها مسألة شرف بالنسبة للقبايل أن لا يتركوا النساء و الأطفال بين ايدي العدو . لقد قاموا بدفع الفدية حتى مقابل العجائز اللائي كنا سنطلق سراحن طواعية و دون أدنى مقابل.

عانينا طيلة أيام من الرياح المحملة بالرمال (سمعون) التي تهب خلال شهر أوت و سبتمبر. هذه الرياح الحارة محملة بغبار من الرمال، وعندما تقترب تبعث فيك الشعور بالجزع،و خاصة عندما يتساقط الغبار فوق العيون ، و أحسن وسيلة لتجنبه هو أن تنبطح أرضا  و أن تحبس أنفاسك ، فمن يتجرع  ذلك الهواء المولث يموت في مدة 20 دقيقة.

و لحسن الحظ أن هذه الرياح الرملية لا تهب سوى ربع الساعة أو عشرين دقيقة ، لكن ذلك يحدث عدة مرات في اليوم.  ففي تلك الأثناء تتوقف المناوشات.  لهذه الظاهرة أثر كبير على أبناء البلد و على الحيوانات البرية. فعندما نتفاجأ بهبوب هذه الرياح الصحراوية و نكون في مهمة يتوقف كل شيئ. تدير الجمال و الخيول و البغال مؤخرتها إلى الإتجاه التي تأتي منه الرياح  بصفة غريزية و تضع أنفها في الأرض إلى أن يزول الخطر.

لقد كان لنا بالأمس لقاء ساخن مع القبايل بعد مناوشة أسطورية للدفاع عن الثيران. لقد تلقت فرقتنا الأمر بحماية القطيع كبير العدد إلى مكان الشرب.

لقد تسببت موجات الحرارة المتكررة  في جفاف جميع العيون و الينابيع القريبة من حصوننا بحيث كنا مجبرين على قيادة قطيع الماشية بعيدا حيث تسيل مياه الوادي من الجبال ولا تجف أبدا. سرنا كالعادة وكان الرماة يؤمنون مكان الشرب ، لكننا وجدنا صعوبات في بلوغ المكان لأننا استقبلنا من كل الأنحاء بالصراخ و الرصاص . لقد تخفى القبايل في الأدغال الواقعة بالقرب من المكان و احتلوا ربوة في الجهة المقابلة. و من أجل استعمال حرابنا وهي أخطر أسلحتنا و التي يخشاها القبايل، تقدما إلى التلة و حرابنا مرفوعة و تمكنا من الأستيلاء عليها خلال الهجوم الأول. لكن ما أن بلغنا قمة الربوة حتى تلقينا وابلا من النيران من كل الجهات لأن القبايل قد طوقونا ، و سجلنا في صفوفنا قتلى و جرى وقد أجبرنا على الإنسحاب بسرعة تحت الضغط المفروض من القبايل الذين كانو يطاردوننا بوحشية. صاح القائد قائلا  » انقذوا الجرحى ! انقذوا الجرحى »  .

كان احد  ضباط الصف الفرنسيين بجانبي وقد تلقى طلقة في وجهه ، لقد فقد وعيه  تماما و  كان يترنح و يدور حول نفسه كالمخمور . مسكته من دراعه و جذبته باتجاه اقرب حصن منا و الذي احتمته به الفرقة. كنا آخر الملتحقين، و كان القبايل يصرخون بوحشية من خلفنا في الوقت الذي كانت نيران أسلحتهم تحدث صفيرا في آذاننا؛ لم أصب بأي جرح لحسن الحظ و استطعت أن أوصل الرجل الذي تحملت مسؤوليته سالما ، وكنت أشعر  براحة الضمير لأنني قمت بواجبي كعسكري و كإنسان.  ما أن بلغنا معسكرنا حتى أحضر قائدنا تعزيزات مشكلة من عدة فرق و أمرنا أن نعود أدراجنا لإنقاذ القطيع الذي وقع بالكامل بين أيدي العدو. كان القطيع منهمكا في الشرب لدرجة أنه يكاد يكون من المستحيل إخراجه من تلك المنطقة.

استطعنا أن نصد القبايل، و استطاع الخيالة ارجاع القطيع بصعوبة . كانت الحادثة سببا في أن نتوصل معهم إلى مايشبه الإتفاق الضمني مع العدو، لكي ضمن كل واحد للآخر السلم عندما يقصد منابع الماء ، لأنهم يملكون هم أيضا الماشية و هم بحاجة لأن تتمكن من الشرب، و قد يشعروا بالحرج من وجودنا في الحصون.

كانت هذه أول معركة خضتها في مجال مفتوح، و لا يمكن أن أنكر أنني لم أتأثر من ذلك. استطاعت ذاكرتي أن تسجل صور فظاعة المعركة، وهو ماجعل الواقع يصدمني بشدة. لقد أصبحت أكثر إستعدادا للمخاطر التي كانت تحف بي في البر أو في البحر. لقد لاحظت في الكثير من المرات أن الرجال الذين يتسمون  بذاكرة حية (وأغلبهم عادة من المتوسطيين) إذ يخافون من الخيال أكثر من خوفهم من الخطر الحقيقي. فقبل اللحظة  الفاصلة يأتون و قد تخلصت أفكارهم من رعب الموت و هم يستعدون لإسوء الإحتمالات. أما أهل الشمال البارد ، فهم يتسمون بالهدوء ، وعلى العكس من ذلك، هم يأتون برباطة جأش أكبر، لكن كثيرا ما يجدون أنفسهم أمام وضع أسوأ مما كانوا يتصورون.

لقد عانيت من خسارة كبيرة حلت بي ، إذ توفي صديقي الوحيد الذي أمتلكه هناك. كان ينتمي لعائلة طيبة في برلين مثلما يظهره المستوى العالي من الثقافة الذي يتحلى به. لكن لسوء الحظ، ولعه الكبير بالمغامرة جعله يغادر بلاده و أسرته.  أنا على يقين أنه توفي بسبب فرط مشاعر الحنين و الغربة. لم يقم بالخدمة العسكرية من قبل و لم يستطع تحمل هذه الحياة العنيفة و الوحشية مثلما تحملته أنا، و قد سرعت الحمى بحلول أجله. لقد كتب لأبيه رسالة يطلب فيها ارسال بعض المال كي يدفعه مقابل تسريحه من الجيش لأنه كان مقتنعا أنه لم يكن بو سعه تحمل العيش هنا ، وكان يترقب الرد كل يوم. لقد كان خياله يسرح به كل يوم إلى أهله و منزله ، لكن جسمه كان يضعف كل يوم أكثر فأكثر إلى درجة تحتم نقله إلى المستشفى، حيث كنت أزوره كل يوم عند ما افرغ من الخدمة و يكون ذلك ممكنا. و خلال زيارتي يوم أمس للإطمئنان عليه، وجهني  أحد العاملين  إلى سرير في القاعة ، وعندما اقتربت منه وجدته ميتا. لا أحد من القريبين منه سمعه يئن ، وحتى الذي كان بجواره لم يسمع بدوره.  لقد تم دفنه في اليوم الموالي دون أن تنظم له أدنى جنازة و قد تبعته بمفردي إلى غاية القبر الذي  دفن فيه. لقد كان من الأفضل له أن يتوفي من جراء مرض الطاعون !  لم تكن روحه الطيبة لتتحمل هذا المنظر المتسم بكل هذه الوحشية  و البؤس. يجب على الواحد منا أن يلف قلبه بغطاء صلب كي يتحمل الحياة هنا بصفة عامة.

تنقلت فرقتنا إبتداء من الفاتح ديسمبر إلى حصن دوكانس الذي يطل على البحر و يحمي ناحية الجنوب الشرقي للمدينة. لقد بني هذا الحصن فوق صخرة خارجة من البحر و توجد بالقرب منه أرض تضمن الحماية الكافية له. لقد تم تشييد حاجز من الحطب لحماية الحصن من العوامل المناخية .

إننا نشعر بالكثير من الراحة هنا لأننا لا نقوم بأشغال قاسية؛ نقضي معظم وقتنا في صيد السمك، لأن سواحل إفريقيا تتمتع بوفرة انواع كثيرة من منه على الأقل بالنسبة إلينا؛ فهناك الكثير من العوامل تجعلنا نفكر كذلك، إذ نجد نوعا من المحار الصغير ، وهو متوفر في إسبانيا أيضا، كما نجد قنافد البحر بكثرة، وما علينا فعله هو نزعها من الصخور و فتحها ثم نأكلها.

 يوجد نجم البحر أيضا بكميات كبيرة ، ولدي قصة غريبة أحكيها. فخلال شهر أوت كان من عادة الجنود أن يستحموا في البحر كل مساء ، وكان البعض منهم يتوارى من حين لآخر دون رجعة، و لا أحد يدري كيف حدث ذلك. لقد تم حظر السباحة من جراء ذلك ، ومع هذا ذهب بعض الرجال إلى البحر للسباحة في إحدى الأمسيات؛ وفجأة شرع أحدهم في الصراخ و طلب النجدة، فأسرع البقية لنجدته ، فوجدوا أحد أسماك نجم البحر الضخمة وقد مسكه من رجله بأطرافه الأربعة الطويلة بينما ألصقه في الصخر بطرفه الخامس . ألقى العساكر القبض على هذا الغول و أحضروه معهم وو ضعوه في الماء ليغلي حيا و أكلوه ليشفوا غليلهم من موت رفاقهم . وها هي هذه القصة تزيل اللثام عن السبب الكامن وراء اختفاء الجنود الآخرين.

فصل الشتاء الذي يدوم عادة ثلاثة أشهر قد حل هذه السنة  باكرا و مصحوبا بزوابع هوجاء ، استمرت لحسن الحظ لوقت قصير، لكن كانت كافية لحدوث أضرار و هلاك   الكثير من البحارة. وقبل أيام قليلة تحطمت باخرة على الصخر الذي بني فوقه الحصن، واتضح بعد ذلك أنها باخرة تجارية فرنسية حاولت أن ترسو لتفادي العواصف الهوجاء . و في إحدى الليالي ، و أنا أقوم بالحراسة، شاهدت كيف اشتدت قوة الزوبعة و تحولت إلى  إعصار حقيقي ؛ انهمرت الأمطار و السيول و عم الظلام و أصبح من غير الممكن أن تبصر أبعد من أنفك. و في لحظة تطاير خشب سقف الباخرة و تناثر فوق الصخر ، وعندما استيقظنا في الصباح وجدنا حطام السفينة المسماة زاي عند أرجلنا؛  غطت حدة صوت الرياح و الأمواج المتلاطمة على الصوت الذي أحدثه ارتطام الباخرة وتحطمها. هلك كل من كان داخل السفينة باستثماء كلب صغير بقي مبللا و يرتعد فوق الركام الذي قدف به الموج ، وكان الخوف من الإقتراب منا باديا عليه  لأنه كان في انتظار عودة صاحبه على ما يبدو.

لا يعرف البحر المتوسط المد والجز ، لكن هبوب الرياح الشمالية أو الجنوبية تؤثر على حركة الموج في السواحل الإفريقية التي  لا تتعدى بعض الأمتار ليعود بعد الهدوء و الزرقة للمياه بعد أيام قليلة ، بحيث يمكن رؤية الأسماك التي نصطادهما و حتى ملامستها. يوجد سحر في النظر إلى داخل اسرارمملكة هذا البحر . استلقي أحيانا فوق مياه  البحر أتأمل مجموعات من الأسماك و السلاحف في الأسفل ، وأستمع إلى صوت الأمواج و أتمتع بالإسترخاء فوق الامواج .

تعود بي الذكريات بصورة عفوية إلى الطفولة وإلى حكاية أمي المتعلقة بالأمير السعيد الذي سجنته عروس البحر الجميلة  في قصر من البلور في اعماق البحر ، و بعد مرور مئة سنة كما لو كانت أشهرا ، زال السحر وعاد الأمير إلى الأرض ليعتلي عرش أسلافه. لكن وا أسفاه كل شيئ تغير ! لقد انقرضت سلالته ولم يبق أي أحد يعرفه.؛ فهو أيضا قد نسي لغة البشر، و أصبح يحن للعودة للسجن البلوري فغمس جسمه في الموج عله يدرك مافاته .

أشتاق في بعض الأحيان لحكاية الأمير المسحور، و أتوق لأعيش حياة ملؤها الهدوء و السلام مع السمك، أعيش بعيدا عن حياة الجشع التي يحياها البشر. لكن حتى هذا  أصبح غير مجد، لأنه يوجد تحت الماء أيضا صراع و أطماع و  طموحات – باختصار كل شيئ أصبح محض كذب وإفتراء.

فيفري 1841

لأول مرة منذ شهرين لم نتعرض لإي إزعاج من القبايل، وعلينا أن نعبر عن فرحتنا بكون ذلك لم يذهب سدى، فهؤلاء الوحوش المتعطشون للدم هم بالفعل أشرس اعدائنا و اكثرهم فتكا من جميع الذين يوجدون في إفريقيا – لا أحد بإمكانه انقاذنا من غضبهم. يمكنني أن أجزم أنه لا يوجد على وجه المعمورة شيئ يمكن أن نقارنه بهم. ما أشد سوءهم داخل أكواخهم المصنوعة من القش والحطب. و حتى و إن كانوا بعيد داخل ديارهم فلا تأمن شرهم ، ولن تستطيع أن تنام إلا إذا كنت منهكا ، لأنك قد تستيقظ و جسمك مغطى من الرأس إلى أخمص القدمين ببقع من الدم.

في ليلة الرابع من فيفري ، وعلى غير عادتهم ، خصنا القبايل بزيارة كبيرة. كنا ننام داخل الدور الخشبية ، ولم يكن يخطر على بالنا حدوث أي خطر ، وعندما استيقظنا على الساعة ال 11 على وقع الطلقات النارية المتكررة ، وبفعل بعض الرصاصات التي تسللت إلى البيوت الخشبية. لبسنا بزاتنا في لحظات قصيرة؛ أخذ كل فرد بندقيته وخرج. كانت الطلقات تأتي من صخرة تقع في الناحية الغربية للمدينة و التي لا يفصلنا عنها سوى مسافة قصيرة. و بسبب قليل من الإهمال غير المعهود  لم يتم بناء أي تحصين من هذه الجهة التي تتحكم في المدينة بالبذات. إستطاع القبايل أن يتسللوا تحت جنح الظلام عبر المنازل و هاهم الآن يطلقون النار داخل المدينة ببنادقهم الطويلة و يحدثون بعض الآثار. دخلت الكتيبة بالكامل في الإشتباك. ظهر المقدم بيكولو ، وهو ضابط هادئ و يتسم بعزيمة كبيرة ،أمر جميع حراس المدينة بالوقوف في موقع مقابل للصخر للرد على نيران القبايل ، كما كان القصد من ذلك هو جعلهم يعتقدون بان مجمل أفراد الحامية موجودون هنا . و في تلك الأثناء سرنا خارج البوابة في صمت فو صلنا الصخر دون أن يتفطن أحد لقدومنا و فاجأناهم من الخلف. ففي الوقت الذي شاهدونا و  أطلقوا صرخة الحرب أطلقنا عليهم وابلا من الرصاص و ضربناهم بحرابنا . و لان القبايل لم يكونوا متعودين على هذا لم يكن بوسعهم إبداء أية مقاومة بالرغم من أن عددهم كان ضعف عددنا . فالذين لم يتم قتلهم رموا بنفسهم في البحر لأنهم سباحون جيدون ، واختاروا أن يثقوا في الأمواج العاتية للبحر عن ثقتهم بنا. و مع ذلك لم ترحمهم حتى هذه العوامل الطبيعية ، فالبحر كان هائجا و حولت الأمواج هؤلاء الناس إلى أشلاء بعد أن رطمت أسجادهم على الصخور . لكن استطاع البعض منهم أن ينجو و قاموا بقص هاته الرواية الحزينة لأخوانهم.  لقد بقينا فوق الصخر إلى غاية اليوم الموالي .

لم نستطع أن لقي القبض سوى على ثلاتة منهم  لأنه عندما اشتد وطيس القتال أجهز جنودنا على كل واحد وصلوا إليه. و يوجد من الجنود من قطع رؤوس القبايل المصابين بجروح بأسلحتهم الخاصة . وقد قام القائد بمنح مكافأة قيمتها 5 فرنكات عن كل رأس مقطوع  لهؤلاء الابطال الذين قاموا بتعليق الرؤوس على بوبات المدينة  إلى أن انتشرت الرائحة النتنة و أصبح من المستحيل تحملها. حقيقة لقد تعلمنا من القبايل العادات الوحشية أكثر مما تعلموا هم مما نتصف به من إنسانية و حضارة.

بعد يومين جاء بعض شيوخ  القبائل لطلب السلم و السماح لهم باستعادة جثامين  موتاهم ودفنها، و هو الطلب الذي لبيناه لهم في الأخير. لقد عبروا أيضا عن رغبتهم في فدية المساجين الثلاثة ، إذ كان أحدهم إبن رئيسهم ، فأعطى مقابل ذلك فدية بعشيرين ثورا ، لكن القائد طلب ثمانين  فاضطر المحاورون أن يرجعوا على اعقابهم دون الحصول على ما أرادوا. و ومن باب تحدي القائد العسكري إستطاع هؤلاء المساجين الفرار في يوم جميل .

لقد تم حبسهم  داخل صهريج بالقرب من البحر ، واستطاعوا بالرغم من نلك و بصعوبة كبيرة أن يفروا عبر البحر و سبحوا إلى غاية الضفة الأخرى. أصيب أحد منهم بطلقة نار لكن تمكنوا من الهروب . استمرت محولات القبايل لأسبوع كامل  بغرض البحث عن جثت موتاهم. كانت أغانيهم البهيجة لا تعكس الحزن الظاهر على وجوهم. لقد تاثروا كثيرا بهذه المصيبة التي ألمت بهم و اعتبروا ذلك عقابا من الله لأنهم لم يحترموا إحدى تعاليمهم وهي عدم القيام بأي غارة ليلا. كان عليهم إخراج  أغلب الجثت من البحر.

لقد شاهدتهم في إحدى الأيام صباحا و هم يحاولون إخراج الجثت ، إذ رأيت أحد الشيوخ يحمل جثة ويدير رأسه حتى لا يرى الوجه ليخفي دموعه و يمكن أن المر يتعلق بإبنه، وكان الجندي الذي يقف بجانبه يسخر منه.

الحرب الحقيقية عمل صعب و خاصة الحرب بالسيوف مثل تلك التي كنا نخضها بالسيوف. كم نحن محظوظين أن نتعود على أشياء  تجعلنا لا نكترث بالخطر المحدق بنا ، لكن ذلك يجعلنا، بالمقابل، نتعود لسوء  الحظ على عدم الإكثرات بمصائب الآخرين كلما تقدمنا في السن.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :