دواعي اعتماد 18 فبراير يوما للشهيد في الجزائر

كثيرون هم الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل حرية الجزائر وحرية ابنائها، أولئك الذين لا يضاهيهم بشجاعتهم شجاع، ولا بكْرمهم كريم، ولا يطال قاماتهم بنبله نبيل، في شيمهم علامات لا يضلها سائل في طريق حرية الوطن، ولا تغيب عن عين متعطش للحرية والكرامة، ولا عن خاطر من يأبى الاهانة.

من هذا المنظور وحتى يُنْفض الغبار عن الذاكرة. كنت قد نشرت مقالا متواضعا من خلال  بعض وسائل الإعلام وضمن سطور مدونتي « الأيام » يوم 16 فبراير2008م بعنوان : « اليوم الوطني للشهيد- ذكرى ومسار » واعتبر البعض ان ما جاء في هذا المقال فات أوانه. واعتبرت انا يومها ان الرد على هؤلاء مضيعة للوقت. فاخطؤوا الفهم، واخطأت في عدم الرد وها هو المقال للتذكير والإفائدة:

« إن إحياء ذكرى يوم الشهيد تجري هذه السنة » 2008″في ظروف متميزة، سواء على المستوى الوطني أو على المستوى العربي والدولي، ما يميزها هو تلكم الأوضاع الناتجة عن سلوكيات الاستعمار الجديد. وإذا كان الحديث عن يوم الشهيد يستلزم الوقوف على أهم دواعي اعتماد 18 فبراير « يوما للشهيد » في الجزائر فمن الضروري استعراض أهم المحطات خلال 19سنة من عمر الذكرى، وما سبقه من مجريات مسار ثورة التحرير المباركة، ومرحلة البناء والتشييد فور الاستقلال  .

ومن المعلوم أن عوامل انتصار الثورة الجزائرية على ثالث قوة عسكرية عالميا ، مدعومة بحلفائها الأطلسيين، هي عوامل متأتية أساسا عن روح التضحية العالية للشعب الجزائري و حبه لوطنه و تمسكه بدينه و شخصيته الجزائرية العربية الإسلامية ، وذلك دليل قاطع و برهان ساطع على عبقريته و مقدار تفانيه و إخلاصه في الدفاع عن حرمته و كرامته و وطنه، وهي قناعة لم تقتصر على كونها أساسا نظريا فحسب بل مرت فعلا بمرحلة تطبيق ولقيت قبولا واسعا في الأوساط الجماهيرية حتى الاستقلال، ثم أستمر الدفع الثوري إلى عشريتين بعد الاستقلال في أروع صور التضامن الوطني و التآخي الاجتماعي بين أفراد الشعب، لاسيما في البوادي و الأرياف معاقل المقاومة ومنطلقات سهام الجهاد ونقاوة أرضية نما بذور التضحية . إلا أن هياكل الإدارة الاستعمارية التي بقيت على حالها بعد الاستقلال ودعمها المندسون بقرابة 1000عون إدارة من المغرب ، « للعلم فقد ظل المغرب تحت الحماية الفرنسية من عام 1912 إلى غاية عام 1956 حيث حصل على الاستقلال و تولى السلطان محمد الخامس العرش إلى حين وفاته وخلفه ابنه محمد الخامس عام 1961،« لذا قد يكون الأعوان الموفدون من اختيار الإدارة الاستعمارية التي لم تسْلم المملكة المغربية من شرها، فظل ذلك الطاقم البشري يعمل بلغة الاستعمار و نمط تفكيره، و أسلوب تسييره، ووسائل سيرورته، مرجعية أفكاره آتية من وراء البحر، واستمر تأثير هذا التيار في المناصب الحساسة حتى بعد قرارات تأميم الثروات الوطنية (1967-1971)، وهو أمر أحدث بمرور الزمن ضغطا كبيرا في المسار الثوري  و إعاقة تطوراته و نموه وإحداث ثغرات في جدار الوطنية، فبقي بذلك حاجزا في وجه تطلعات الجماهير الشعبية ، وهاجسا مبهما في ساحة التنمية الوطنية

وعندما هبت رياح الانقلاب الدولي بما عرف بالإصلاحات في بداية الثمانينيات التي كانت بدايتها بداية انهيار القطب الشرقي-« الاتحاد السوفييتي »- و زامنه في الجزائر ذلكم الفراغ السياسي الكبير الناتج عن وفاة الرئيس بومدين من جهة، والأوضاع الاقتصادية في البلاد المتولد عن تراجع الصادرات وتعاظم الواردات وتأثيرها على الإنتاج الظني وجعل الاقتصاد محصورا في مرحلة تعديليه أدت إلى التضخم. وتضرر معظم المجالات
الرئيسية بما فيها الإنفاق من جهة أخرى ، وانطلاق مشروع أساليب القطب الواحد، أو ما عرف بمبدأ » الحكومة العالمية » الذي سخرت له الامبريالية بزعامة أمريكا، كل الوسائل المادية والمعنوية، فحدثت هزات اجتماعية في مناطق عديدة من العالم، ومن الطبيعي في هذه الأوضاع أن تحدث تناقضات بين الحكام والمحكومين من جهة وبين مختلف الفئات الاجتماعية من جهة ثانية، في تلك المجتمعات التي مستها رياح الإصلاح هذه فكان لذلك أثرا سيئا أيضا على الوضع في الجزائر، ودفعت أحداث 05أكتوبر1988م، إلى الاسراع بتعديل الدستور وفسح المجال أمام التعددية السياسية-« المادة-42 » بكيفية عشوائية وتهافت حينها الكثيرللتكتلات السياسية.

في هذا الجو القاتم والخضم الهائج، طفت على السطح بشكل جلي تلك التناقضات التي انتجتها الادارة الموروثة عن الاستعمار كما اسلفنا، تغذيها النوايا الشتات الناجمة عن تحالفات القادة العسكريين والسياسيين إثر الازمة السياسية في صائفة 1962م،تلك التحالفات التي أصابها الشلل في سنة 1963وماتت تماما في 19جوان 1965م لكن تواجد الموروث الوباء أستمر، وهو ما دعا أبناء الشهداء إلى الالتقاء حول مسألة المسائل، لإنقاذ البلاد بمشاركة المخلصين في بناء الدولة التي استشهد من أجلها الملايين من خيرة أبناء الجزائر، بناء جزائر نوفمبر وترسيخ المشروع الحضاري للأمة الجزائرية وحمايته من المؤامرات التي حاكها وكلاء الاستعمار متفننين في التشويه ،والتقزيم ،والتخريب ،لإجهاض المشروع الحضاري للشعب الجزائري، وكان لقاء أبناء الشهداء وهم بالأمس واليوم، الفئة الأقل حظا في المجتمع والأكثر حاجة الى الحماية، كان اللقاء مسؤولابدايته البحث عن شكل لتنظيم لا يخدم السياسة من أجل التهريج ولكن من أجل الحفاظ على الوطن وثوابت الأمة. فبعد عدة لقاءات في السرتارة، والعلن تارة أخرى، انعقدت ندوة   18فيفري1989م حضر المؤتمر التأسيسي في أوت 1989م بمبادئ على قاعدة صحيحة،مدعومة بالإيمان العميق من أبناء أولئك الذي سقى آباؤهم شجرة الحرية بدمائهم، ثم أنعقت الندوة الثالثة(2،3 ماي 1991م، والندوة الرابعة يوم 18جوان1993.

لقد انصب الاهتمام في ندوة 18 فيفيري1989،على التصورات المستقبلية في ظل الثوابت والقيم التاريخية، والوفاء لتضحيات الشعب الجزائري وعهد الشهداء، فكان التفكير في تخليد ذكرى « الشهيد، كرمز لذلك » وتجنبا لأي لبس، واعتبارا لمليون ونصف المليون شهيد، خلال سبع سنوات ونصف ،أي بمعدل شهيد كل دقيقتين، ارتأى المجتمعون أن كل يوم من أيام السنة يليق أن يكون يوم الشهيد ،ودون عناء، وقع الاختيار على 18فيفيري، اليوم الذي جمع أبناء الشهداء من جميع ولايات الوطن في تلاحم مبدأي، في صورة شبيهة بتلاحم آبائهم ليلة أول نوفبر1954، وحصل الإجماع على مواصلة المسيرة التي بدأها الشهداء .

ومنذ ذلك التاريخ أنشئت المنظمة الوطنية لأبناء الشهداء ، و انطلقت في نشاطها بفعالية و إصرار على المضي قدما في حماية مقومات الأمة وصيانة استقلال الجزائر وكرامة أبنائها، وكانت أكثر التطورات أهمية في حياة التنظيم هي مشاركة المخلصين الساعين إلى تجنب المخاطر التي انهالت على المصالح الوطنية، بعدما عملت بقايا حثالة أعوان الاستعمار على إيقاظ الفتنة النائمة، فكان حضور أبناء الشهداء قويا في ندوات الحوار ومسيرات التهدئة ،كمسيرة 08ماي1994 التي حملت شعار المصالحة الوطنية( بمفهوم المصالحة بين الفرقاء ،لا التصالح مع الخونة والاستعمار)، والجزائر حرة ديمقراطية، هذه المسيرة التي عرف تحضيرها حدثا مأساويا مروعا تمثل في اغتيال أبن الشهيد المناضل النشيط « عبد القادر كسال »،يوم03ماي 1994، أمام بيته بضواحي الرويبة. وتبعتها مع الأسف اغتيالات سياسية أخرى في صفوف أبناء الشهداء، والمثقفين، والوطنيين، .أكثرها بشاعة كان اغتيال « عبد الوهاب بن بولعيد « في ليلة22 مارس 1995م، عشية ذكرى اغتيال أبيه على أيدي الفرنسيين قبل تسعة وثلاثين عاما، حين نصب له قتلته كمينا « بضواحي مدينة الأخضرية ، ولاية البويرة » وهو في طريقه إلى بلدته  » باتنة » ليشارك كعادته في التأبين الذي يقام في ذكرى استشهاد أبيه .. رجل مثل مصطفى بن بولعيد أحد رموز مقاومتنا، أبطال أمتنا، تهديه الجزائر جثمان ابنه « ذو 55 سنة  » في يوم ذكرى استشهاده.!!، لم يكن عبد الوهاب إلا واحدا من المثقفين المغتالين: ( -يوسف سبتي-الدكتور بوسبسي – محمد بوسليماني-جلالي اليابس الطاهر جاووت – محمد بوخبزة – عمار قندوزي – عبد الحق بن حمودة ..)، وغيرهم كثيرون ، من الذين دعوا إلى نبذ التشكيك في الهوية الوطنية الجهنمية، و التقسيم تحت غطاء القبلية و الجهوية والطبقية . ومع الأسف الشديد كانت تلك الأحداث و تفاعلها التدريجي أثناء محنة الجزائر، وما تزال ،عوامل مساعدة على بروز ظواهر غريبة ،تصنعها عناصر مأجورة عاملة بأساليب مباشرة أو بأسلوب المراوغة والتضليل السياسي، فمن استفحال الجهوية، إلى الانحرافات التاريخية و التخلي على أخلاقيات الثورة، والتهافت على الماديات و الكسب بجميع الوسائل ، وظهور سلوكيات الفساد المالي و الميل إلى الاستهلاك و البذخ على حساب طبقة الضعفاء ، ومحو كل ماله علاقة بالوطنية ، وخدمة الوطن.. الخ. و نظرا لتهاون الساسة المسيرين في التصدي لمخاطر هذه الأمراض، فقد امتد أثرها في أوساط الشباب ،وانتشرت ثقافة و لغة الاستعمار بشكل رهيب، واعتبارا لكون أبناء الشهداء حملة رسالة آبائهم الذين قدما أنفسهم قربانا للحرية ،وجندا لضمان استمرارية و حماية مبادئ ثورة أول نوفمبر الخالدة، و دعما قويا لكل الوطنيين المخلصين الذين لازالوا على عهد الشهداء باقون. فقد سعت أطراف إلى زعزعة هذا التنظيم، واحدثت انقسامات في صفوفه على غرار غيره من تنظيمات الوطنيين ، بمحاولة وضعه في بوثاقة المهرطقين و الإمعة القانعين بلقمة العيش ،وتحول مسيِّروها الحاليين الى خرق لحجب المفاسد، وهو ما أتاح الفرصة لمن كانوا شركاء في الفساد ليطلبوا علنا الغاء التنظيم وحتى تنظيم المجاهدين ووزارتهم!!.. .

إن استكمال المسار في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية و الاجتماعية، يدعو المخلصين في هذا الوطن الى التصدي للهجمة الجديدة التي تشنها شرذمة  من بقايا الاستعماريين وأعوانهم الخونة من  » الحركى والبياعين « والإسراع بالسعي إلى تهيئة الأرضية اللازمة لتسليم الراية إلى السلف الصالح عملا بمبدأ تواصل الأجيال و استمرارية الثورة، ومكافحة كل من يمس بالثوابت الأساسية للأمة–الإسلام- و اللغة العربية و الأمازيغية والوحدة الوطنية بكل معانيها، والعمل على حماية التاريخ من المأجورين الجدد منتحلي البطولات سارقي الانتصارات، ومن ثم العمل على ترقية الحس المدني بتجسيده ميدانيا ،ربحا للوقت ورفعا للهمم وحفظ الكرامة والحفاظ على ارث الثقافي الحضاري الذي هو مزيج من نضال شعب وثقافة صنعتها مؤثرات عربية امازيغية(بربرية) وافريقية وأوربية حتى، بحكم الجوار والمبادلات

 بوكحيل محمد

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :