دور محمد بن فيالة في المقاومة الشعبية سنة 1871

الندوة المخصصة لثورة 1871 [Original Size]

شهدت بلدية الجمعة بني حبيبي، يوم 13 جوان 2015 ، حدثا هاما في تاريخها وهو تنظيم ندوة حول محمد بن فيالة أحد قادة الثورات الشعبية العظيمة التي عرفتها بلادنا قبل ثور الفاتح من نوفمبر 1954 .

وفي هذا السياق، قامت جمعية الأمجاد للتاريخ و التراث لولاية جيجل، بالتنسيق مع رئيس المجلس البلدي لبلدية الجمعة بني حبيبي، بإحياء الذكرى ال 134 لاندلاع ثورة 1871 بقيادة محمد بن فيالة بتاريخ 12 جوان من نفس السنة ، حيث قام المؤرخ حسني قيطوني بإلقاء محاضرة تطرق فيها لمآثر الرجل و دوره في قيادة المقاومة رفقة إبن عمه الحسين مولاي الشقفة، حيث انتهت مقاومتها بالقبض عليهما و نفيهما إلى كاليدونيا الجديدة، لكنهما توفيا في مدينة براست بفرنسا، وهما في طريقهما إلى منفاهما.

أستهل المحاضر ، الذي ألف كتاب القبائل الحضرة عبر التاريخ ، مداخلته بالدوافع التي جعلته ينكب بالبحث و التمحيص في تاريخ المنطقة، و هو وليد قسنطينة و إبن شهيد مولود بهذه المدينة أيضا ، و التي تحمل إحدى شوارعها إسمه « عبد المالك قيطوني » ، إذ ذكر أن الهوية أمر حيوي لكل إنسان و كل مجتمع و أبرزه في كتابه الذي استقى موضوع المحاضرة منه.

أما عن أسباب ثورة 1871، التي قادها محمد بن فيالة على رأس الحبيباتنيين الأشاوس بمعية قبائل و أعراش منطقة الوادي الكبير، فقد تعددت طبيعتها ، إذ نجد العوامل الخارجية كالحرب مع بروسيا و سقوط نابليون الثالث ، وتحول الحكم في فرنسا من الملكية إلى الجمهورية . و تتمثل العوامل الداخلية في نشوب أكبر مجاعة في تاريخ البلاد و ما تبع ذلك من انتشار مرض التوفيس، و الذي ذهب ضحيته أكثر من 500 ألف جزائري . كما أن العامل الروحي لعب دورا هاما بواسة طريقة الرحمانية التي استطاعت أن تشكل عامل تجنيد للسكان بماا تتميز به من قوة التنظيم والجذب. بالإضافة إلى ذلك شهدت الجزائر بروز الحزب الكولونيالي المطالب بمصادرة الأراضي و الأملاك، و كأن الوجود العسكري الذي كان يفرض الضرائب و الإتاوات لا يكفي لقهر الأهالي.

و أمام هذه الأوضاع المزرية، لم يبق للسكان سوى وسيلة واحدة لحفظ كرامتهم و الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم وهي الثورة ولو بوسائل متواضعة بالمقارنة بما كان العدو يملكه من عدة وعتاد. وها هي قريتنا لم تبق بمعزل عن الثورات التي اشتعلت هنا وهناك في مناطق عدة من الجزائر وهاهي تستقبل مبعوثي الحداد الشيخ بتاريخ 12 جوان 1871 و يقوم العالم الجليل محمد بن فيالة بتجنيد جيش. و بعد أن أرسل رسائل لمختلف قياد و أعيان المنطقة أعلن الجهاد فأقلق السلطات الاستعمارية التي جهزت لمقاومته طوابير من الجيش قدمت من القل و قسنطينة و سطيف ، علما أن فرنسا قد استغلت نهاية حربها مع بروسيا لتعزز قواتها في الجزائر.

وبعد أن تطرق المحاضر لكل هذه الظروف والملابسات بالتفصيل ، فتح باب النقاش الذي طرحت خلاله تساؤلات تبرز مدى شغف الحاضرين من السكان بمعرفة تاريخهم و تاريخ منطقتهم ورجالاتها الذي لم يعطيهم التاريخ الرسمي حق قدرهم و إلا كيف نفسر حمل مؤسسات و أحياء و مدن لأسماء مختلف قادة الثورات الشعبية التي جرت في الجزائر ، في الوقت الذي لم تجد فيه سلطات البلاد سوى إطلاق إسم « مدغري  » على أول قرية فلاحية في المنطقة وكأن ماضي الجهة بأبطاله لم يكن به ما يلبي الغرض ، وشتان بين من يصنع التاريخ وبين من يصنعه التاريخ. و للدلالة على صحة ما أقول، ينبغي فقط الوقوف على وضع منزل بن فيالة الذي زاره المشاركون في الندوة ، و الذي يعد شاهدا على حقبة زمنية مشرفة من تاريخ المنطقة ، و لكنه ظل عرضة لعوامل الطبيعة و يد الانسان و قد آن الأوان لترميمه ليلعب دوره كموروث ثقافي تاريخي و هو ما أوصى به الحاضرون. كما أن زاوية سيدي وارث الواقعة على التلة التي تطل على سوق الجمعة و التي أمر قائد الجيش الفرنسي السكان هدمها بأيديهم لما كانت تمثله من رمز للعلم والمقاومة، قد طالها التخريب و لم يبق منها سوى الأطلال، و قد اجمع الحضور على الاسراع باعادة بنائها و تحويلها الى متحف يقوم بتخليد ثورة 1871 وتاريخ المنطقة التي لم تنل حقها من الدراسة شأنها في ذلك شأن العديد من الآثار التي تنتشر في ربوع البلدية و التي يعود تاريخها لمختلف الحقب التاريخية التي شهدتها المنطقة

DSC04231 [Original Size]DSC04219 [Original Size] [Original Size] .

DSC04209 [Original Size]منزل بن فيالة معلم تاريخ ينبغي انتشاله من الضياع

DSC04237 [Original Size]زاوية سيدي وارث التي زالت تماما و اقتراح بأن  يتم بناء متحف على أنقاضها

وبالعودة لموضوع الندوة، و لتعميم الفائدة اخترت لكم مقتطفات من الكتاب القيم لحسني قيطوني الذي يحمل عنوان  » القبائل الحضرة عبر التاريخ  » ، الذي يتناول تاريخ المنطقة من فترة ما قبل التاريخ إلى غاية 1891 و الذي قمت بترجمته وسيصدر عن دار القصبة للنشر عما قريب إن شاء الله.

عزالدين بوكحيل

 

مقتطفات من كتاب القبائل الحضرة حول الموضوع :

« ….كان المستوطنون مهوسين بمسالة الوضع القانوني للأرض، الذي كان من شانه حسبهم، ان يخلصها نهائيا عن « الملكية الجماعية »، و لذلك لم يروا في مرسوم 1863 سوى وسيلة لتقوية وتعزيز هذا الاتجاه. بينما أبرزت التحقيقات الميدانية أن جميع الأراضي في بلاد القبائل الحضرة كانت أراضي ملك، باستثناء الغابات، و موثقة في اغلب الأحيان من طرف الجماعة أو القضاة. كانت هذه الأراضي العائلية قابلة للتوريث كما يمكن تبادلها حسب طرق مقننة بأحكام. كل قطعة ارض كانت معلمة و معروفة. وكانت بعض القطع الأرضية تحمل أسماء تعرف بها فتصبح أحيانا عنصرا جغرافيا. و لم يقم المرسوم سوى بتسجيل هذا الأمر: لم يكن أي فدان في بلاد القبائل الحضرة له وضع ارض العرش.

 ….وهكذا بدأت ثورة أولاد عيدون التي طبعت بداية الإنتفاضة العامة في بلاد القبائل الشرقية، و ستنتهي سبعة أشهر بعد ذلك بإلقاء القبض على محمد بن فيالة و الحسين مولى الشقفة، و ستترك هذه الإنتفاضة في ذاكرة الناس، ذكرى مأساوية لا يمكن وصفها، بحيث سيترتب عنها فقدان الأراضي، والتفقير العام للسكان، و بداية عملية استئصال الجذور. ففي تاريخ الاستعمار يوجد ما قبل سنة 1871 و ما بعدها…

…..إن التاريخ الكولونيا لي لم يسجل سوى ماجرى في القبائل الكبرى من احداث، و لم يعر تلك التي شهدتها بلاد القبائل الحضرة سوى اهتماما طفيفا، لدرجة أن لجنة لاسيكوتيار لم تشر اليها الا عرضا. و مع ذلك، نلاحظ اثناء المحاكمة التي شهدتها محكمة الجنايات بقسنطينة، المخصصة لمحاكمة  » القادة الكبار للأهالي » ان 13 منهم ينحدرون من بلاد القبائل الحضرة، وهم متابعون بارتكاب أفعال جرت بين ميلة و جيجل، خلال السداسي الثاني من سنة 1871م…..

…. اذا بحثنا عن عامل مشترك للأحداث التي وقعت بين 21 جانفي 1871 و 17 جانفي 1882م، فأننا نجده لا محالة في المجازر التي تلت هذه الأحداث : » كان القمع قاس جدا و بالنسبة للكثيرين، يتعدى نطاق المعقول ويفوق الجرم المرتكب […]. يشبه القمع العمل الانتقامي الوحشي اكثر مما يشبه تطبيق عقوبة تتناسب مع الجريمة المقترفة « ….

…اما بالنسبة للمنهزمين، فقد شكلت سنة1871، بالنسبة لتاريخ المقاومات، احدى آخر اكبر مظاهر دورة الوطنية الريفية. … فهذه الثورة التي قام بها المقراني مع بو مزرق، والحداد مع مولا الشقفة، التي يمكن ان نطلق عليها ما قبل الوطنية، تشبه تلك التي قام بها الأمير عبد القادر في الغرب، و هي تترجم مشاعر الجزائريين التواقين للعيش كسادة على أرضهم، في اطار قيمهم الخاصة بهم. و مثل فشل هذه الانتفاضة نكسة كبيرة، و تركت في الذاكرة الجماعية ذكرى اليمة لفرصة مهدورة خلفت عواقب وخيمة مثل ضياع الأرض، و الافلاس الكلي للقبائل…. شكلت هذه الانتفاضة بالذات، موضوعا الهب افتتاحيات الصحف اكثر من غيره، لكن بهدف عرض و جهات نظر الحزب الكولونيا لي في اغلب الأحيان…

….فهذه الحركة الرائعة التي لعبت العفوية فيها دورا اساسيا، لم تكن في آخر المطاف، حسب وجهة نظر الإدارة، سوى مجرد مؤامرة اجتمع فيها ضباط المكاتب العربية و »قادة من الأهالي » بغرض افشال الإجراءات التي تعتبر الجزائر فرنسية ؟ او مؤامرة خسيسة قام بها رجال دين متعصبون….

 شكلت سنة 1870 السنة التي تبلورت فيها كل التناقضات التي كانت تتجاذب داخل المجتمع الجزائري. فخلال فصل الصيف، و بينما كانت الأحداث تتسارع في ذفرنسا(الحرب ضد بروسيا، هزيمة سدان، تخلي نابليون على العرش و اعلان الجمهورية الثالثة)، كان الحزب الكولونيالي يتمادى في تعنته وفي تصريحاته المطمئنة. و في عريضة تحدي موجهة للحاكم دوريو Durrieu، ممضاة من طرف

ستمائة مواطن من سكيكدة، اجتمعوا بتاريخ 27 سبتمبر 1870، يمكننا قراءة ما يلي:

يجب ألا نشعر بخوف كبير من الأهالي لانهم لا يتوفرون على الشيء الأساسي لخوض اية مغامرة و هو عدم توفر الخيول. فالجنوب الذي يعد المصدر الأساسي لفرق الخيالة لم يعد اليوم يتوفر على الجياد بعد المجاعة التي شهدها، والأمراض المعدية التي نتجت عن ذلك،  » إذ يبدو أي خطر لانفجار الوضع غير محتمل الآن »…

…و صلنا إلى نهاية سنة 1870، التي تمثل نهاية عشرية طبعتها سلسلة من الكوارث الطبيعية، تزامنت مع أعمال الدمار التي ارتكبتها خمسة طوابير عسكرية متتالية. و لما لم تكن تلك الكوارث تكفي لوحدها، أضيفت اليها الكوارث التي حدثت سنتي 1867 و 1868 كالجفاف، و غزو الجراد، و وباء الكوليرا، التي خلفت ضحايا بأعداد هائلة بين السكان. اذا كانت المجاعة لم تحدث أضرارا كبيرة في بلاد القبائل الحضرة ( قتلت 500000 شخص أي خمس السكان الإجمالي للجزائر) فان الكوليرا أحدثت بالمقابل كوارث جمة. …

….شهدت نهاية الستينيات من هذا القرن وصول المستثمرين الذين تحصلوا على امتيازات استغلال غابات بلاد القبائل الحضرة. لقد استولوا على أراضي الدولة التي عينها القانون المشيخي. …

…و بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية و النفسية المترتبة عن الأحداث الداخلية، جاءت مشاكل فرنسا لتضاف اليها. إذ دخلت فرنسا الحرب سنة 1870، و انهزمت بعد ذلك بوقت قصير…

عندما ندرس بعناية تسلسل الأحداث، نتفاجأ بالغياب الكلي للتنظيم و الحيطة عند المتمردين. انه تمرد عفوي، و حماسي، غير مخطط له وبدون قائد…

…و في يوم 27 فيفري وصل الطابور إلى البرج، و لتأكيد انتصاره أعطى الجنرال الأمر بحرق القرى المجاورة التابعة لأولاد عميور واضعا بذلك حدا لانتفاضة أولاد عيدون….

…. ». فخلال المواجهات التي دامت اسبوعين، أي من 14 فيفري الى 27 فيفري، استهلك الستة ألاف جندي التابعون للطابور اكثر من 250000 الف خرطوشة، واستعملوا رشاشات، و بنادق من نوع شاسبوت chassepot، و مدافع، و خيالة، ضد عدو لا يمتلك أي شيء. ….

…. و في يوم 14 مارس اعلن المقراني دخوله الحرب، وتبعه في اقل من شهر (8 افريل) الشيخ الحداد، الذي اطلق أمام حشود الناس نداءه الشهير للجهاد. ..

و في صبيحة الثامن افريل، كانت ساحة سوق مسيسنة بصدوق تعج بالناس…… وبعد صلاة طويلة  » اعلن الشيخ الحداد: » بعون الله ورسوله، سيكون من السهل علينا أن نرمي الفرنسيين في البحر ». هكذا بدأت المقامة الدينية في ساحل القبائل الكبرى. فاذا كانت سلطة المقراني لا تتعدى مواطنيه، فان تأثير الشيخ الحداد يمتد إلى ما وراء حدود صدوق. ففي بلاد القبائل الحضرة يزداد التحاق المنتسبين من كل القبائل بالرحمانية كل يوم، ويرجع ذلك لتمتع مقدميها بسمعة و تأثير كبيرين ….

…. و قد لاقى نداء الشيخ الحداد، بفضل مَبْعُوثَيْهِ، قبولا واسعا في منطقة الوادي الكبير من جراء القمع الذي سلط على المتمردين في شهر فيفري.

…و بتاريخ 12 جوان، وصل موفدا عزيز، القريشي بن سيدي سعدون، و عمر بن أمقران، إلى بني حبيبي…

… تم اتخاذ قرارين خلال هذا الاجتماع يتمثلان في إرسال موفدين يحملون رسائل إلى جميع الشخصيات المؤثرة في المنطقة، بما في ذلك ڤايد أولاد عواط، من اجل دعوتهم للالتحاق بالجهاد، ثم الالتقاء بممثلي القبائل و الأعراش في اليوم الموالي، في سوق الشقفة لإعلان الجهاد.

…و بتاريخ 15 جوان، اجتمع الممثلون عن بني حبيبي (سي محمد بن فيالة، براهم بلحمر، خلفة بن بولمعيز، صالح بن بودور، صالح بن بوكرشة، عمار بن بلال، علي بن اودينة، محمد بن بوغابة) بممثلي بني عمران السفلية، ولجناح، وبني معمر، وبني صالح، وبني بلعيد و بني مسلم، في ساحة سوق الشقفة، بالقرب من زاوية سيدي عبد الله القديمة.

… إن هدفنا هو التوجه إلى الميلية، […] لكننا قبل ذلك، نود أن نعرف إن كنت تود إن تكون عونا لحامي الإسلام. و نتمنى ألا تكون معارضا لأرادتنا. إننا نبتغي الجهاد في سبيل الله، وطريق ذلك معروف، انه طريق الشريعة و المجد. نسال الله أن يعيننا على تخطي الصعاب ! فاذا قررت ألا تنضم الينا.. فاستعد اذا للدفاع عن نفسك! إننا لا نخشاك و لا نخشى الحكومة الفرنسية التي أنت تابع لها، لان السلطة الفرنسية لا تمثل شيئا أمام الله، ولا أمام من اصطفاهم من خلقه. السلام عليك من جميع أهل القبائل من بابور إلى بني حبيبي. من خليفة العزيز السيد القريشي بن سيدي سعدون و من الولي الحاج محمد بن فيالة، أطال الله في عمرهما، امين، آمين، آمين. ننتظر ردك سريعا، و السلام « ….

…بقي الشيخ المقدم محمد بن فيالة وحده على راس الثائرين. وقد كان لهذا الشيخ المغرم بالكتب فكرة عظيمة استطاعت ان تحول الانتفاضة الهشة الى ثورة شاملة عمت كامل بلاد القبائل الحضرة. نعم كان من جانبه سمعة العائلة التي تجاوزت سمعتها حدود البلاد، و ذكاء خارق، و صفات اخرى تجعل منه مرشدا دينيا، لكن كان ينقصه ما كانت تتطلبه الأوضاع الراهنة اكثر من غريها من الصفات : خبرة القائد العسكري. كان هناك رجل تتوفر فيه هذه الميزة، انه ابن عمه وصديقه حسين مولا الشقفة، صاحب الخمسين سنة، والذي كان تحت الإقامة الجبرية في ميلة…..

….فالمتتبع لتاريخ المنطقة والذي يحضر هذه الاحتفالات، لا شك انه سيعطي الأمر حقه، لا نه هنا في هذه الساحة، استقبل الناس في احتفالية كبيرة، مئة سنة قبل اليوم، وخصوا جده عبد الله مولا الشقفة باستقبال الأبطال، بعد رجوعه من الجزائر، حيث ذهب لمحاربة الكونت أوريليO’Relle y. و ما زاد الحدث جلالا هو جمعه لرجلين من بين الرجال الأكثر حب عند الناس، والأكثر احتراما، في المنطقة و هما الحسين و محمد بن فيالة، و كان لهما نفس السن، و نفس الأسرة …

…وفي هذا اليوم ارسل محمد بن فيالة مبعوثين إلى كل الجهات لتبليغها خبر عودة مولا الشقفة، ويحث الشيوخ والمقدمين على الحضور بكثافة إلى مجلس الجماعات، الذي سيقرر ما ينبغي عمله بشان الثورة. اجتمع المجلس في زاوية مولا الشقفة بتاريخ 25 جوان و حضرها موفدون عن أعراش وقبائل جديدة….

…وفيما يتعلق بالأسلحة، فالمتوفر منها كان يقدر ببعض المئات من البنادق، سلاح ابيض، فليسة (سيف قبائلي). لا تمثل هذه الترسانة التي هي عبارة عن مزيج من الأسلحة، أي شيء مقابل مدفعية العدو، و آلاف البنادق من نوع الشاسبوت (بندقية حرب بالإبرة استعملها الجيش الفرنسي اول مرة بين 1866 و 1874 ) و المدافع و الرشاشات….

….وكان قادة الانتفاضة منشغلين بنقص القوات،….. ولهذا ندرك لماذا استغرق بن فيالة ومولا الشقفة كل هذ الوقت قبل المرور من مرحلة التجنيد الى مرحلة الهجوم. فكان الانشغال الكبير و الدائم بين 20 جوان 1871 و 8 جويلية 1871، هو كسب القبائل المترددة و اقناعها بالجهاد. وبغرض بناء الوحدة المقدسة التي كانت تنقض بلاد القبائل الحضرة، تصرف القائدان بمهارة كبيرة، فارسلا موفدين عنهما، وكتبا رسائل، و استعملا التهديدات، كما استخدما القوة حين اقتضى الأمر ذلك…

…غداة الاجتماع المنعقد في زاوية سيدي عبدالله، انطلق مولا الشقفة و بن فيالة في الصباح الباكر مع جيشيهما باتجاه برج الطهر….

…….اما الفرقة التي اتجهت شمالا، فقد التف حولها كل من لجناح، و بني مسلم، بعد ضغط خفيف على ڤايد الجهة. ..

… إن العامل الديني هو الوحيد الذي كان قادرا على جمع قبائل مختلفة كأولاد عيدون، وبني حبيبي، وأولاد عسكر و بني يدر. وهل هناك احسن تعبير عن نجاح هذه الوحدة من تنظيم استعراض بتاريخ 17 جويلية، نرى فيه بن فيالة يتقدم فرقة تحمل علم زاويته….. برفقة الف رجال يحملون البنادق و يجوبون منطقة الوادي الكبير مرورا ببني لعيد و بني فرقان و يستقبلون تهاني السكا

…. لكن لو أن أي شخص أخر محايد شهد هذه الأحداث، لتطرق بموضوعية للوضع العام للثوار، وأخبرنا عن حالة البؤس الكبير الذي كانوا عليها، ويصف لنا كيف كان البعض مسلحا بفؤوس، و آخرون بعصي، و ناذرا ما تجد منهم من يحمل بندقية، وان وجدتهم فانهم لا يتوفرون على البارود، انهم انضموا إلى الثورة بنسائهم وأطفالهم.. . فهاته هي  » القوات » التي سيواجه بها مولا الشقفة جيشا محترفا، مكونا من آلاف الرجال، مدججين بأسلحة بأعداد وكميات معتبرة…

….و في الأخير، كانت لثورة 1871 ميزة كبيرة وهي ان قيادتها لم تكن اجنبية، فقادتها بن فيالة و مولا الشقفة، و العربي بن صديق، و بوعرور وغيرهم، كانوا ابناء البلد. لقد نجحوا في فرض سلطتهم بفضل هالتهم الشخصية و بفضل سمعة الرحمانية و شبكتها الواسعة من « لخوان…

…لقد سقط خبر سيئ في الفاتح من جويلية، و هو استسلام العزيز الحداد و علي اوقاسي في ايت هشام، و سجل طابور الجنرال لالمان، و الجنرال سوسيي، تقدما في مجانة و جرجرة. و لما لا تأتي المصائب فرادى، فان نبأ آخر سقط اياما بعد ذلك، و يتعلق باستسلام الشيخ الحداد، كبير الطريقة الرحمانية. فكل شيء يبدو قد تهاوى وكل يوم يمر، يبدو فيه تحقيق أي انتصار على فرنسا ضربا من ضروب الخيال. وتم كتمان هذه الأنباء السيئة الى حين، حتى لا تتأثر معنويات المحاربين.

…ما أن تم الإعلان عن ثورة 1871 حتى انفجرت عند المستوطنين موجة حقد لن تهدأ ابدأ : حقد اتجاه  » العربي » و اتجاه كل ما يمثله. ففي شهر مارس، انتقدت جريدة لـو زيرامنة le Zeramna (جريدة سكيكدة)، الجنرال سوسيي Saussier، ( قائد الكتيبة الثانية العاملة في بلاد القبائل الحضرة بين شهري افريل و أكتوبر 1871)، الذي لا يمكن أن نتهمه منطقيا بالتسامح مع الثوار، انتقدته  » بانه اصدر أوامر للفرق المشكلة لطابوره بالحفاظ على دماء العرب، بحيث حدد عدد الذين يسمح بقتلهم بخمسين عربيا يوميا، في الوقت الذي كان بالإمكان قتل الف « ..

…. استعمل الحزب الكولونيالي شتى وسائل الضغط من منشورات، و صحافة، وعرائض و مظاهرات شعبية لفرض و جهة نظره المتطرفة على الحكومة. و هذه هي السياسة التي تم تطبيقها حتى وان تمت تلبية جميع مطالب المعمرين….

….اليكم ما كتبه محرر جريدة L’Indépendant، الصادرة في قسنطينة بتاريخ 29 افريل 1871 : » ينبغي قتل الڤايد، والشيخ، و القضاة، و المحرضين الأساسين على الثورة، رميا بالرصاص كلما سمح الأمر بذلك، كما ينبغي سلب عقاراتهم و بيعها فورا، يجب حجز بنايات كل القبيلة بعد نهب كل مواشيها، وبعبارة اخرى حيثما وجدت أي ثورة، يجب الا تبقى سوى أراض تابعة لأملاك الدولة يتقاسمها الكولون من ضحايا الثورة….

…عندما وصل الجنرال بواتوفان دو لاكروا إلى قسنطينة بتاريخ 15 جويلية 1871، كان محلل جريدة L’Indépendant يعبر بدون شك عن شعور عام، عندما تطرق في مقال مطول عما يراه كفيلا بإعادة السلم :  » ينبغي استخدام القمع لترهيب أعدائنا. […] لا يمكننا أن ننجح في السيطرة على العرب إلا عن طريق العنف و الرعب. إن المودة و التسامح لن يزيداهم سوى تجاسرا، و نسال الرب أن لا ينظر إلى رحابة الصدر التي نواجهم بها كوسيلة لتمديد عمر الكفاح إلى ما لانهاية.

… و كما نلاحظ، فان الأجماع سائد داخل الحزب الكولونيالي حول مسالة القمع الصارم من اجل تحقيق الأهداف التالية :

  • انهاك الجزائريين، جسديا و نفسيا، تطبيقا لمبدئ « حتى عندما يكون العربي منحنيا يجب إثقال كاهله ». الهدف: » ضمان  » سلام المقابر » لفترة طويلة
  • تفقير السكان، عن طريق فرض ضريبة الحرب، التي تساوي ثمانية إلى عشرة
  • تطبيق الحجز الجماعي على أراضي العرش التابعة للقبائل و على أملاك الأفراد المتورطين في الثورة. الهدف : توفير اقصى قدر من الأراضي للكولون و تجريد الجزائري من الملكية ….

…هكذا تنتهي الثورة في بلاد القبائل الحضرة بتدمير وحرق دورين للعبادة، انطلق منهما إشعاع الإسلام و المبادئ الصوفية ليعم كافة بلاد القبائل الحضرة. و نتساءل هل يمكن لهذه الملحمة الاستثنائية لسيدي احمد العابد، التي عرضت رمزيا لألسنة اللهب، أن تبقى حية بعد هذه الطقوس المتمثلة في  » العقوبة بالحرق  » مثلما كانت تفعله الكنيسة في العصور الوسطى…

…نطقت المحكمة بحكمها يوم الفاتح من ماي، 1873 على الساعة الثانية صباحا، حيث تمت تبرئة ذمة كل …..وحكمت بالنفي على كل من صالح بن شاطر، علي بن عثمان، الطيب بن بوفيس. وحكمت بالأشغال الشاقة مدى الحياة على يوسف بن أمقران، كما حكمت في الأخيرا بالإعدام على الحسين مولا الشقفة و محمد بن فيالة، بحيث طالبت بإعدام مولى الشقفة في ميلة، واعدام بن فيالة في الميلية… « 

7 commentaires pour دور محمد بن فيالة في المقاومة الشعبية سنة 1871

  1. mohammed .B dit :

    للتعليق عن الموضوع أود القول:
    من المعروف ان كلمة (تاريخ) تدل على مطلق مجرى الأحداث، التي يصنعها الشعوب بقيادة ابطالها احداث ووقائع ومسارات متسلسلة منذ أقدم العصور وتطورت في الزمان والمكان حتى عصرنا الراهن.
    وحودث التاريخ كما يرى علماء الاجتماع « ليست حوادث ميتة أو انتقاليه روتينية. بل هو عملية دينامية كالنابض متكررة نحو الأعلى….  » و قدغدا التاريخ سلاحا يستعمله الإنسان لضبط حركة المستقبل.
    عزوف أهل منطقة جيجل والكتاب العرب عامة، عن تدوين تاريخها تدوينا مفصلا يطرح اكثر من تساؤل؟!
    ولئن كان قد فسر ذلك بغياب سلطة سياسية في المنطقة تشحذ الهمم وتثير اهتمام المؤرخين، فان ذلك لا يعفي جيلنا البحث والتقصي لاستخراج الاحداث من وقائع الحاضرتين المزدهرتين من حيث المعارف والعلوم ـ بجاية وقسنطينة ـ ولا شك أن تاريخ جيجل سنجده مفصلا من العصر الحجري إلى عهد الفاطميين ـ إلى عهد الاحتلال الفرنسي الغاصب، في المصادر، والمراجع الأجنبية، كـ ( .. الايطالية والاسبانية ـ والفرنسية…) وما علينا الا القيام بالتحرك وتنظيم البحوث والقاءاتمثل الملتقى الذي نحن بصدد الاطلاع على مجرياته.
    لا يفوتني هنا ان أنوه بالمجهودات التي تبدل في مجال الفكر والقافة بمنطقتنا في هذه الأيام.
    ألف ألف تحية لكل من سام في هذه الإضاءة القيمة.

    J'aime

    • kitouni Hosni dit :

      Cher Azzedine,
      Tu fais un travail absolument magnifique. Tout de dévouement et d’engagement pour la région. merci d’avoir été là, merci surtout de me soutenir et de m’aider. N’est ce pas toi, qui un jour de juin 1992 m’avais pris par la main pour guider mes pas dans la tourmente.
      Amitié et reconnaissance
      Hosni Kitouni

      J'aime

  2. OMAR dit :

    Professeur Housni Kitouni , M. azzedine , je vous connais a travers ce magnifique site qui nous nous reunit nous autres enfants de beni habibi . j’adore ce que vous faites et je vous avoue que vous avez permis a beaucoup de gens de relever la tete et dire avec fierté qu’ils ont des liens avec cette commune et cette region en general vu la richesse du passé que votre merveilleux travail à exhumé et mis à la porté de tous. je vis tres loin de mon bled et j’attend le soir avec impatience pour lire faire lire à mon entourage ce qui se passe sur ce site.j’admire cette entente et pense sans vous connaitre que vous etes de bons amis si vous n’appartenez pas à la meme famille .j’ai hate à lire le livre entier car ces extraits m’ont mis l’eau à la bouche et j’espre que ce musée verra le jours tres prochainement.moi aussi je me demande comme vous pourquoi aucune rue ou lycée ne porte le nom de ce chef qu’est benfiala. contunuez à nous depoussierer davantage l’histoire de la region car personne ne le fera à la place de ses enfants.
    merci infiniment
    omar

    J'aime

  3. Bachir dit :

    أود التعقيب بداية لأشكر جميع أصحاب هذه المبادرة من منظمين و مشاركين نظرا لما تجليه مثل هذه التظاهرات من جوانب هامة من تاريخ المنطقة وأعلامها بداية بالشيخ العلامة أحمد لحبيباتني ثم هذه المرة القائد المقاوم الحاج محمد بن فياله.
    جميعنا يخص بالشكر والعرفان الأستاد حسني قيطوني الذي استطاع، رغم شح المعلومات وانعدام الوثائق تقريبا، أن
    يفيدنا بمعلومات قيمة ونادرة عن تاريخ هذه المنطقة ودور أبنائها تاريخيا، عبر محاضراته و تدخلاته في هذا الموقع وعبر كتابه ًالقبائل الشرقية عبر التاريخ ً والذي أمكنني الإطلاع على مقاطع من نسخته الصادرة باللغة الفرنسية٠
    كثير من المعلومات الواردة في الموقع و في الكتاب تبقى في نظري قابلة للتصحيح أو المراجعة والنقاش لإثباتها أو نفيها. وفي هذا الإطار أود التطرق بالنقد إلى بعض من هذه المعلومات:
    أولا: إن البيت القديم الذي سكنه ابن فياله و من بعده ولديه ابراهم والحسين لم يعد قائما، وهو بيت كبير بشهادة بعض أحفاده الذين ولدوا وترعرعوا فيه ومنهم من لا زالوا أحياءًا إلى اليوم، وهو بيت كبير بطول 30 ذراعا وعرض 15 ذراعا وقد أزيل في أربعينيات القرن العشرين، أما البيت القائم حاليا فقد بناه الشيخ المكي رحمه الله، وهو أكبر أحفاد ابن فياله، في نفس الموقع ولكن بحجم أصغر وقد استعمل حجارة البيت القديم في بنائه.
    ثانيا: جل الوثائق التاريخية أشارت إلى جوانب من ثورة 1871 و دور ابن فياله ومول الشقفة وبعض أعلام المنطقة فيها إلا أنه لا تتوفر معلومات عن مصير الرجلين بعد القبض عليهما ومحاكمتهما الى جانب العديد من الثوار. هل حكم عليهما بالإعدام؟ هل أعدما فعلا وأين؟ أم توفيا في السجون؟
    ذكر الكاتب أن ابن فياله توفي في السجن قبل ترحيله إلى خالدون ( كاليدونيا الجديدة ) وهذه المعلومات في نظري ليست دقيقة ولم يقدم لنا الكاتب أي وثيقة تثبت صحتها من عدمه.
    ثالثا: رسالة طلب العفو التي أرسلها أحد السجناء إلى المارشال ماكماهون، لماذا يصر الأستاد حسني قيطوني على نسبتها إلى ابن فياله وهو يعلم علم اليقين أنها لسجين غيره.
    رابعا: وللتصحيح، فقد ورد في كتاب الأستاد قيطوني أن من أبناء محمد بن فياله ولده الحسين الذي تبناه وعلمه عمه سي علي، وهذا خطأ لأن الحسين بن الحاج محمد، كما ذكر ابنه الشيخ يوسف رحمه الله، لم يكن متعلما وقد عاش إلى جانب أخيه براهم مشتغلا بالفلاحة حتى وفاته حوالي 1914 . والواقع أن سي علي بن فياله كان له أيضا ابنا متعلما يحمل نفس الإسم الحسين وقد عرف باسم الخوجة لأنه شغل هذا المنصب لسنين عديدة.
    هذا باختصار ما أردت توضيحه وتحية للجميع والسلام عليكم.

    J'aime

  4. mohammed .B dit :

    لا عاقل يجهل ان التاريخ مرآة الأمم، يعكس ماضيها، ويترجم حاضرها، وتستلهم من خلال مجريات الواقع مستقبلها، من كانت أهمية الاهتمام به، والحفاظ على ما حصل من دراسته.
    هذه الكلمات الموجزات رايتها مقدمة للحديث عن دور المثقفين والنخب المختلفة ومساهمتهما في تخطي معوقات واعطاب المراحل التي مرت بها المنطقة وماتزال بعض الشواهد قائمة في مجال موضوعنا هذا.
    فعندما ينطلق الناقد في تعاطيه مع المسالة التاريخية من مبدإ الحرية فإنه يبقى معرضا لمنزلقين خطيرين
    أـ قد يجعل من الواقعة مجرد مطية للتوغل في تفاصيل نظرية منهجية وإيديولوجية تخص منطلقاته الفكرية فيبقى خارج الموضوع.
    ب ـ أو يغرق في الذاتية والانطباعية المفرطة ما يؤدي به الى الخطاب النقدي الشعبوي ويبقى تدخله سلبيا. لنعد الى موضوعنا
    إن أهم ما يستفاد من دراسة التاريخ معرفة أخطاء السابقين، والحذر من المزالق التي تم الوقوع فيها عبر التاريخ.
    ومن الأخطاء دون شك عدم تدين الاحداث والوقائع المتعلقة بمنطقة القبائل الشرقية…في الآونة الاخيرة اهتم كتاب ومؤلفون مختلفو الثقافة والتأهيل والاكتساب المعرفي وقوة الخلفية المعلوماتية والقدرة على معالجة المعلومات. وعمدوا الى البحث والتنقيب .. ومما لا شك فيه ان الكتابة أيا كان نوعها وبخاصة في مجال التاريخ الحديث وما قبله امر مفيد حتى وان اعترتها نواقص معلوماتية أو منهجية أو عواطف أو محاباة وكسب مادي أو معنوي حتى. لأنها تبقى قادرة على تقديم معلومات يحتاجها انسان الغد الذي قد يلومنا على تقصيرنا في توثيق حاضرنا اليوم.
    فإذا كانت نواقص ما في التعرض لنضال محمد بن فيال وملاي الشقفة؟!
    فان النواقص التي تحسب على المثقفين والنخب المختلفة اليوم والإهمال للحاضر أو الماضي القريب! … فتاريخ المقاومة السياسية وثورة التحرير بالمنطقة قد مسح من صفحات الجزائر المشرقة.
    BachiRلهذا وددت ان أقول الى السيد :
    كنت انتظر دعما للمجهود فآلمني تعليق هجوم مثبط. وأرجو منه أن يقوم بعمل مماثل يكمل الناقص ويثري العمل المنجز (…)

    J'aime

  5. bachir dit :

    أنا معك يا خالي محمد في انتقادك لتقصير شباب المثقفين من بذل جهودهم لتقديم أعمال ذات صلة بتاريخ وحاضر المنطقة وفي نظري يعود هذا إلى أمرين ( أعتبرهما سببين وليسا عذرين ):
    الأول: تفرق شباب المنطقة في أنحاء البلاد والعالم وانشغالهم بحياتهم المهنية والشخصية.
    الثاني وهو نقص المعلومات الموثقة الخاصةً بتاريخ الناحية.
    أعتدر إن كان تدخلي السابق قد فهم سلبيا بأنه هجوم مثبط على أي عمل أو أي شخص، ربما بسبب الإيجاز أولقلة حيلتي أولضعف أسلوبي.
    أعتقد أن أي عمل تاريخي مقدم، مهما كانت قيمته، فهو يعتمد على وثائق وأعمال وشهادات وربما استنتاجات لا تكون دقيقة حتما، يجوز لنا انتقاد بعض ما جاء فيها وهذا بغرض الإثراء والتصحيح ، لأن هذا العمل هو اجتهاد بشري غير معصوم، ولا أفهم لمذا اعتبر تدخلي هجوما سلبيا ولمذا يطلب مني تقديم عمل مماثل بدلا من مناقشة موضوع ما.
    يأسفني يا سيدي تلميحك إلى أن تدخلي، وهذا حسب فهمي البسيط، كان ردة فعل شعبوية تهدف إلى رفض الواقعية التاريخية لأسباب شخصية أو عائلية أو بغرض تمجيد شخصية ما على حساب الحقيقة التاريخية.
    ولهذا أريد العودة إلى النقاط التي طرحتها في تدخلي السابق بغرض توضيح بعض الأمور:
    في نقطتين ، اعتبرهما هامشيتين، خاصتين ببيت ابن فيالة وأولاده قلت أنه لا يجب الإستمرار في تقديم البيت الذي بناه أحد أحفاد ابن فيالة على أنه بيته القديم، كما أوضحت الوضع الإجتماعي البائس الذي عاشه ابنه الحسين خلافا لما جاء في الكتاب وهذا في نظري تبيان للحقيقة التاريخية لا أكثر.
    تطرقت إلى نقص الوثائق المتعلقة بمحاكمة ومصير قادة الإنتفاضة المحليين طالبا من المؤلف أن يتفضل بالكشف لنا عن بعض ما لديه من وثائق لأنه الكاتب الوحيد الذي تطرق بإسهاب إلى مصير مول الشقفة وابن فيالة بعد اعتقالهما.
    أما النقطة الأهم والتي أقر أني أظهرت فيها بعض التهجم فهي رسالة طلب العفو:
    يقر الجميع أن ابن فياله ظلم تاريخيا بالنسيان ويعود الفضل لبعض أبناء المنطقة ومن بينهم الأستاذ حسني قيطوني في محاولة إلقاء الضوء على جوانب من كفاح هذه الشخصية، ولهذا نطلب من الأستاذ أن يصحح خطأه ولا يزيد الرجل ظلما بأن ينسب له رسالة لاعلاقة له بها في كتاب يؤرخ للمنطقة، وأنا أدعو المؤلف إلى مراجعة وثائقه لا غير ليتحقق من أن تلك الرسالة هي من توقيع معتقل آخر غيره.
    وفي الأخير لا أنكر أنني ترددت كثيرا في أن أثير مثل هذه الإنتقادات عبر الموقع وأعتذر مرة أخرى للجميع وأؤكد أن تدخلي كان بقصد الإثراء وليس من أجل الحط من قيمة أي عمل أو صاحبه.
    صحة عيدكم والسلام عليكم ورحمة الله.

    J'aime

    • Azzedine dit :

      أستاذي الفاضل ، ما تفضلت بالإدلاء به من آراء يثري النقاش، و يفيد المتتبع و المهتم بتاريخ المنطقة، لأنه يأتي بعناصر جديدة، و إن كانت لسوء الحظ تعتمد المشافهة التي تطغى على تاريخ المنطقة بصفة عامة لشح الوثائق المكتوبة. أما فيما يتعلق بعملية تدوين الشهادات ووضعها تحت تصرف الباحثين بغرض التحليل و المقارنة و التمحيص ، فأنا أعتقد أن نخبة المنطقة تتحمل مسؤولية ذلك وهي مقصرة ولا يمكن أن نلتمس لها عذرا . وبالعودة إلى موضوعنا ، ألاحظ أن عائلة القائد بن فيالة تتحمل وزر ذلك أكثر من غيرها ، لأنه لا يعقل أن نرى كتبا ، و أشرطة مسموعة ومرئية ، و إسهامات تخصص لقادة أقل منه شأنا في مناطق أخرى من الجزائر ، في الوقت الذي يلف الصمت ثورة بحجم ثورة 1871 التي خصتها سلطات فرنسا بكتابات ووثائق لم يبذل المؤرخون الرسميون أي جهد لدراستها، وصمت أفراد الأسرة ولم يسجلوا حتى شهادات كبارهم و كأن القائد الذي جمع من حوله قبائل الوادي الكبير و الشقفة وغيرها من الأعراش مجرد فرد بسيط من العائلة لا يهتم بمساره أي أحد غيرهم. إن ما قام به حسني من جهد بالتعريف بالشخصية التاريخية، و بزاوية سيدي وارث، و بمنزل الشيخ و القائد بن فيالة، يعد حسنة يؤجر عليها لأنه أجتهد و ترك نصا مكتوبا يؤسس لتاريخ المنطقة بصفة عامة. أنظروا ما يحدث لتاريخ المنطقة الثوري ، أليس من العار أن تعطي تلك التربة الطيبة مثل ذلك العدد من الشهداء ، و عن كل عائلة ، ولا أحد تحرك لكتابة أو تدوين أي واقعة أو جمع شهادات الأحياء ممن شاركوا الثورة ، وغاب أي معلم يخلد شهداء المنطقة .
      لقد ذكرتني يا أستاذي بقضية سيدي أحمد الحبيباتني الذي لم يخصه أي فرد من أفراد عائلته بشهادة من شأنها ترفع من شأنه و تنور أفكار أهل المنطقة الذين يتوقون كغيرهم إلى أن يكن لهم شخصيات تشكل معلما ومنارة ومرجعا لهم و اختزل النقاش حول عالم جليل عاصر ابن باديس في برنوس هل ضاع أم سرق منه.
      وبالمختصر المفيد ، و انطلاقا من فرضية أنه لا تخلو أي أسرة حبيباتنية من جامعي يحسن صياغة بعض الفقرات، علينا بالإسراع في تسجيل شهادات كبارنا في كل المجالات وهذا أضعف الإيمان. كما ينبغي استغلال الوسائط الحديثة لتدوين مايمكن تدوينة صورة أو كتابة، فذلك أكبر خدمة يمكن أن نقدمها لأحفادنا و لغيرنا كي يعرفوا من نحن و مدى جمال بلادنا. و قد حان الوقت كي نتخلص من التعامل مع التاريخ و الجغرافيا بمنطق « تشان صار » الذي يستوي فيه الأمي و المتعلم.

      J'aime

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s