عيون مشاتينا

تكتسي العيون أهمية كبيرة في الحياة الاجتماعية قديما ولازالت كذلك في العديد من المناطق الجبلية التي لم يهجرها سكانها و لم يتم تزويد منازلها بالماء المنقول بواسط الأنابيب.

ولا تخلو أي مشتى من العديد من العيون التي يزال البعض منها موجودا إلى غاية اليوم، في الوقت الذي تغمرنا الحسرة و نحن نتذكر تلك التي جفت أ و غزتها الأحراش، أو التي هجرها سنوات التسعينيات من القرن الماضي السكان الذين كانوا ينتفعون منها لقرون عديدة.

سأحاول أن أتحدث اليوم عن تلك التي تقع بين تسبيلان و تشوداس، و أملي أن يوافيني إخواني من المشاتي الأخرى بسرد للعيون التي يعرفونها، بحيث سيخصص موضوع الحلقة القادمة لعيون مشتى أولاد شبل من الطيانة إلى الحجرة.

تأخذ تسمية العين عادة من المنطقة التي تقع فيها كالغازي أو آسلا أو راس عبدوي ، أو تسمى باسم الذي يملك الأرض التي تقع فيها العين دي جحا أو العين دي شوتشا .

ظلت العين مكانا حكرا على النساء بامتياز ، و لا يجوز للرجال الذهاب إليه مهما كانت الأسباب، و حتى الذي يفقدون زوجاتهم يتكفل الأطفال أو الجارات بتلبية حاجياتهم من الماء البارد. يتم جلب الماء بواسطة أوان فخارية تسمى « أكعاد »، و « الكعادة »، او « الشكالة » التي كانت تتفنن النسوة في صنعها و تزيينها بأشكال هندسية غالبا ما تطغى عليها المثلثات و اللونين الأسود و الأحمر قبل أن يغزو البلاستيك كل شيئ ، بحيث بدأ الأمر بدلاء الزيت و انتهى   « بجيركانات  » من مختلف الأحجام و الألوان، مرحبا بعولمة الفقر !!!!!!.

كثيرا ما كانت العيون تشهد احد الطقوس التي دأبت العائلات على الإحتفاء بها على مر العصور و لم يغيب سوى بحلول التسعينيات من القرن الماضي. يسمى هذا الحفل البهيج « خروج العين »، إذ يقام هذا الحفل في اليوم الثالث من مجيئ الفتاة إلى بيت زوجها. تلبس العروس أبهى حللها و تذهب إلى العين صحبة النسوة من أهل العريس، على أن يحضره بالضرورة أصغر صبيان العائلة تيمنا بأن يرزق الله العروس ذكرا عند الإنجاب مستقبلا . تخرج النسوة في موكب و هن يرددن أغان من التراث و يتبعن الطريق المعتاد إلى غاية بلوغ العين، ليفسح المجال لعملية مهمة و لا مجال للقفز فوقها و هي « تشلفيك الماء ». تعرض العريس و جهها لصفعات الطفل الذي يملأ راحة يده بالماء ويصفع العروس على خديها معلنا نهاية الحفل و الرجوع إلى المنزل. و المتمعن لبعد هذا الحفل هو ببساطة تعريف العريس على محيطها الطبيعي و الاجتماعي الذي هي مدعوة للذوبان فيها مستقبلا.

نعود إلى العيون التي تقع في مختلف ربوع المشاتى، و تشكل حولها الكثير من « البحاير » التي هي عبارة عن قطع أرضية صغيرة تقوم نسوة العائلة المالكة بزراعة بعض الخضروات من طماطم و فلفل طرشي و « لوبيا خضراء » و « أفوجال » ذرة . تستعمل العائلات هذه المحاصيل لسد حاجياتها لبعض الأسابيع من صيف كل سنة . ويحدث أحيانا أ ن تزين هذه « البحاير » بعض أشجار الفاكهة كالتين و الكروم.

للتذكير، كانت العائلات تجلب الماء بواسطة « كعادات » تحملها النسوة و الفتيات فوق رؤوسهن، في حركة تبعث على الإعجاب و التقدير، للمهارة التي تتحلى بها الحاملة وهي تقطع الطريق الرابط بين العين و المنزل، و الذي غالبا ما يكون عبارة عن دروب وعرة ومتعرجة يعجز الكثير منا اليوم و هم متحررو اليدين وينتعلون أحذية خاصة بالمشي ، مقارنة بماكانت عليه أرجل النسوة التي كانت حافية أو تلبس « بشاميك » من البلاستيك في أحسن الحالات.   وها هي السبعينيات من القرن الماضي عندما تجود علينا بموضة جديدة غزت يوميات مداشرنا و قرانا و تتمثل في شحن المياه في أوان بلاستكية تحمل على ظهور أحمرة أو فوق عربات بدائية الصنع تعبر عن تعاسة وفقر لا مثيل لهما. و بحلول التسعينيات، و نشوب الأزمة الأمنية هجرت الجبال، و تجمع الناس في السهلين المحيطين بمركزسوق الجمعة فغزت الأشجار و الأحراش معظم العيون وقل الاعتناء بها، فجفت ، أو أصبح الولوج إلى الكثير منها من الصعب بمكان إن لم يكن مستحيلا و سنأتي على ذكر كل واحدة منها لاحقا

غزران (2)العين دي غزران

العين دي غزران: تقع هذه العين بالقرب من مركز تيسبيلان ، في منحدر صعب وفر لها حماية طبيعية من التلوث. كما تقع على جانب الطريق الرابط بين برج الطهر و سوق الجمعة . لم يتغير منسوبها مثلما ترويه الألسن أب عن جد منذ غابر العصور . تمتاز مياها بذوق عذب، وبخفة، تجعل الشارب لا يشعر بالشبع بالرغم من الكمية المستهلكة. لم ينتبه أحد لجودة مياه العين و فوائدها الطبية إلا حديثا، و بالصدفة، عندما شرب مياهها بعض الذين كانوا يعانون من وجود حصى في الكلى وشعروا بتحسن في وضعهم الصحي. بدأ الخبر في الانتشار على المستوى المحلي، وما لبث أن جعل من هذه العين مقصدا للزوار من جميع الجهات، و بالخصوص أولائك الذين يقضون عطلتهم الصيفية على شواطئ الجهة. و الطريف في الأمر أن السيارات تشكل طوابير طويلة أيام العطل و إلى ساعات متأخرة من ليالي الصيف.

العين دي راس عبدوي: هي من العيون التي ذهبت ضحية تجديد طريق السيارات مما جعل الوصول إليها صعبا بعد إزالة درب الراجلين الذي كان يختصر المسافة و يسمح للمارة و الحيوانات بالإرتواء و أخد قسط من الراحة تحت شجرة الدردار الواقعة بجانبها.

العين دي عبدوي: تقع هذه العين في الجهة الجنوبية لعبدوي بالقرب من منبع الواد دي وهران و لازالت تؤدي خدمة جليلة للسكان الذي قرروا عدم النزوح.

العين دي لمزارة : تقع بالقرب من مقبرة لمزارة من الجهة الشمالية المقابلة لبويعلى و يرتادها سكان منطقة لعرابة أو زوار المقبرة.

العين دي أرفراراف: تقع في منطقة غابية صعبة التضاريس إلى شمال منطقة الدرع و لا يعرفها الكثير من السكان. منسوبها ضعيف ولم تجف إلى يومنا هذا.

العين دي الغازي: من أكبر و أشهر عيون المشتى. تقع في منطقة منعزلة ، منسوبها هام صيفا و شتاء. كان السكان يقصدونها من حنوش ، وخرفان و العسة و أولاد سعيد . أدخل عليها الفرنسيون تحسينات، فأنشأوا حوضا إسمنتيا تصب فيه المياه الخارجة من بطن الأرض بواسطة قناة فولادية. شكل لعقود كاملة ملتقى مفضلا للنساء وللأطفال من الجنسين خاصة بعد مجيئ العائلات من شتى مدن الجزائر لقضاء عطلة الصيف بحيث لا تخلو جنبات العين من الحركة ابتداءا من ساعات الفجر الأولى إلى ساعات متقدمة من الليل . كما أنها شهدت العديد من مواكب العرائس اللائي تخرجن لأول مرة من بيوت الزوجية فتكون هذه الوجهة هي وجهتهن المفضلة. و ككل القصص الجميلة، هاهي قصة هذه العين تنتهي بعد أن غادر السكان الذين كانوا يتزودون بالماء العذب منها ، فتوحش المكان و انسدت الدروب المؤدية إليها، بعد أن غزتها الغابة و غيبت معالمها ، و كان ذلك شأن الطريق الريفي الرابط بين أولاد شبل و أولاد معقل، و الذي يمر بالعين بحيث زال من الوجود لعدم استعماله لأكثر من عشر سنوات، وهو نفس المصير الذي آلت إليه أشجار التين و البساتين التي كانت تحيط بها و البئر المجاورة لها و التي كانت مخصصة لشرب الحيوانات التي يمتلكها سكان المناطق القريبة

الغازيمنطقة الغازي

العين دي آسلا: تقع هذه العين بالقرب من جامع المصلى، ومنها كان الأطفال يجلبون المياه لأغراض الوضوء و الشرب التي يستعملها المصلون و طلاب هذا الكتاب. كما كانت المياه التي تجلب منها تستعمل أيام الأعياد و المناسبات التي تشهد ذبح عجل أو عجلين و اقتسام لحمهما بين سكان المشتى. و قوعها وسط تجمعات سكانية جعلها تتخطى عوامل الزمن دون مشاكل تذكر ولازالت تسقي عطش كل المناطق المحيطة بها لحد اليوم

أسلا

المنطقة المحيطة بالعين دي آسلا

العين دي الدتشارة (الدكارة): إذا كانت هناك صورة تجمع الكثير من الذين يعرفون هذه العين فهي بدون شك حكاية « آنزا » الذي تتكرر على ألسنة الكثير من الناس الذي يرددون نفس القصة بأبطال مختلفين. فتارة يدعي البعض أنه قابل رجلا في أعز ساعات الظهر، و آخر يروي مشاهدة عجوز مع حلول الليل،و يروي آخر رؤيته لشخص حي يرزق مع أنه توفي منذ زمن بعيد. و الحقيقة أن موقع هذه العين يؤهلها لتكون مسرحا مميزا لمثل هذه الروايات ، إذ تقع في إحدى الشعاب السحيقة و بمكان وعر مكسو بالكامل بأشجار دائمة الاخضرار و أحراش يتجاوز ارتفاعها قامة المرء ، كما أن المكان يشكل معبرا و حيدا قبل شق طريق السيارات الحالي الذي زادها عزلة و ناذرا ما يسلك أحد هذا الطريق هذه الأيام بعد أن تدهور وضع المكان و غابت معالم الطريق المار به و الرابط بين المصلى و الزاوية.

العين دي جحا: كانت المناطق المحيطة بالعين من أكثر المناطق كثافة سكانية إلى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي . فبساتين الزيتون والحدائق الزاهية الكثيرة كانت تشجع السكان على العيش في المنطقة أو العودة إليها بانتظام لقضاء مختلف العطل أو لتنظيم حفلات الزواج كل سنة. وبين عشية وضحاها، و لأسباب متعددة، هاجر السكان أو فضلوا بناء منازلهم على الأراضي التي يمتلكونها بالقرب من المنطقة الحضرية للجمعة بني حبيبي و ولم يبق لأهلها سوى صورا يغمرها الحنين لسنوات كانت المنطقة عامرة بالحياة و بأصوات الأطفال و النسوة وهم يغدون ويعودون محملين بمياه العين التي أصبحت تشكو الوحدة و الهجران

المنطقة المحيطة بالعين دي جحاالمنطقة المحيطة بالعين دي جحا

العين دي تيزخ: تقع هذه العين اسفل منطقة العتبة بين أشواط و اللوية. يقل روادها لقلة عدد العائلات التي تسكن بالقرب منها. و قد زالت بعد أن انقطع الطريق الريفي المار بها و هجرة السكان الذين كانوا يرتوون من مياهها.

العين دي زابوش: هي أصغر عيون المشتى سنا على الإطلاق، بحيث لم يتم حفرها سوى مع بداية الخمسينيات من القرن الماضي عندما قام سي صالح .ب . رحمه الله بحفرها في صخرة و أصبحت لا تنضب طيلة فصول السنة ، وكان الناس يقصدون من المناطق المجاورة و حزنت فجفت عندما هجرها الناس وغمرتها الغابة و هي في انتظار أيام أجمل لتعود لما كانت عليه سابقا

???????????????????????????????العين دي زابوش و قد جفت بعد أن هجرها أهلها

العين دي الشعبة العقبة: عين قديمة تقع بمحاذاة الطريق الرئيسي الذي يربط أولاد معقل بالزاوية. يستفيد بمياهها المارة و أصحاب السيارات أكثر من السكان المحادين لها . يتداول الناس حكايات مشاهدتهم لأشباح خلال مرورهم بها ليلا. تم إدخال تغييرات على منبعها لكن لازالت تجري و تقدم خدمة للمارة من الراجلين أو من أصحاب السيارات

???????????????????????????????الشعبة العقبة

العين دي الحلك: يعرفها الكثير من سكان الجمعة و الشباب منهم على وجه الخصوص لوقوعها في مدخل واد بوعمر الذي يشكل قبلة الجميع بحلول فصل كل صيف. تخرج من صخر أسفل الجبل و تمتاز بمياه باردة جدا .

العين دي بوسالم: تقع في المكان الذي تحمل إسمه ، على الطريق الرئيسي الرابط بين واد القطن و الزاوية. قليلا ما يلجأ السكان المجاورون لها لاعتمادهم على الآبار المحفورة بجانب منازلهم بالنظر لغزارة المياه الجوفية التي تزخر بها المنطقة

??????????????????????????????? .

يتبع……. سنتناول في الحلقة القادمة عيون أولاد شبل ثم عيون أولاد معنصر تحياتي إليكم ، عزالدين بوكحيل

4 commentaires pour عيون مشاتينا

  1. latreche dit :

       بارك الله فيك يا عزالدين ذكرتني في صغري في تلك المنطقة الرائعة والجميلة

    J'aime

  2. Il y a une très belle et historique fontaine, celle de Sidi Ahmed El Abed, une histoire extraordinaire y est attachée. prochainement je vous enverrai des photos et un commentaire.

    J'aime

  3. Quelqu'un d'Ajdir dit :

    Bonjour à tous.

    N’oubliez surtout pas d’évoquer les fontaines relatives à la région de Ouled Maanser, situées principalement à la partie nord des BENI HABIBI, il s’agit entre-autre des fontaines suivantes ;

    Ain di TI3ARTANE (i3ourate) sise à Ajdir.
    Ain di Tanina
    Ain di Bratchou
    Ain di Mouche Aberrane

    Toutes ces fontaines appartiennent aux familles composant le Douar d’Ajdir.

    On aura, peut être, le temps d’en parler.

    Salutations distinguées.

    J'aime

  4. محمد بوكحيل dit :

    عيون مشاتينا
    هذا عنوان يراه البعض صغيرا بعدد حروفه، لكنه كبير بمعانيه….
    لهذ رأيت أن أعرج على معنى العين ج= (العيون)، وبيان العين من العين
    قبل التذكير ببعضها:
    إن العين هي تلكم الدرة الثمينة التي لا تقدر بقيمة، وقد سماها الله تعالى الحبيبة والكريمة، كما جاء في حديث رواه البخاري والترمذي وابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم.
    والعين من أعظم أسرار قدرة الخالق عز وجل، فهي برغم صغرها بالنسبة إلى كل المخلوقات من حولها، فإنها تتسع لرؤية كل تلك الأشياء. فالبصر مرآة الجسم، وآلة التمييز، والنافذة التي يطل منها الكائن الحي على العالم الخارجي.
    وجعلها من الزينة البادية بوله:(كذلك وزوجناهم بحور عين) 54 سورة الدخان.
    ***.
    العي في مضرب اخر فهي منبع حياة كل شيء:
    قال تعالى:
    ( وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) سوة الأنبياء/30
    وقال:
    يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ* وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ* وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ. (25-28) سورة المطففين
    ( عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا)سورة الانسان 6.
    ***.
    3-إن عيون مشاتينا عديدة، وربما أوضاع المنطقة حجبت بعضها، فالناس هنا كانوا:
    – متمسكين بالحشمة، فالمرأة وهي الباقية في البيت لا تبدي من زينتها الا لأهلها.
    – المنطقة شهدت غزوات وحروب ما يتطلب جعل المناهل بعيدة عن الأنظار محمية من الأعداء، ويمكن للجميع ملاحظة مواقعها…
    4-هناك عيون كثيرة يمكن اضافتها وهي:

    أ-العين ذي بومسيويْ
    ب-ظالعين ذي سويعد ْ
    ج-العين ذي وغرويْ
    د-العين ذي زغدان….. الخ.
    .يمكن ان نلحق صورا لأمكنتها.

    Aimé par 1 personne

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s